(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (١٢٣) هى خاتمة التوراة ، وربما يقصد خلاصة التوراة ، باعتبار الآية تتضمن الإخبار عن الله : أن له غيب السموات والأرض وشهادتهما ، وأنه لا أمر لمخلوق إلا بإذنه ، وأنه يجازى كلا بعمله ، فإذا عبدت فلا تعبد إلا الله. وإلا فالتوراة ليست لها هذه الخاتمة! وكعب الأحبار كاذب فى دعواه ، وسيّئ النية ، فأولا : لا وجود لكتاب اسمه التوراة عند اليهود ، وقالوا : التوراة هى كتب موسى الخمسة : التكوين ، والخروج ، والأحبار ، والعدد ، وتثنية الاشتراع ، وذلك غير حقيقى ، فما أوتى موسى هو الألواح ، وعددها لوحان ، حملهما موسى على يديه نزولا من الجبل ، وعليهما كتابات الشريعة والوصية ، حفرت على الحجارة بطريقة المصريين فى تسجيلاتهم على الحجر ، فكيف صار اللوحان خمسة كتب أو أسفار؟ وهل معقول أن يكتب موسى يقول فى هذه التوراة المدّعاة : «ثم ذهب موسى»؟ ويقول : «ومات موسى وبكاه الشعب»؟! وثانيا : فأى كتاب من هذه الكتب الخمسة جاءت خاتمته مشابهة لخاتمة سورة هود ، علما بأن الكتب الخمسة ليست فيها خاتمة كخاتمة هود ، لا من قريب ولا من بعيد؟ وكعب الأحبار خبيث ، أراد أن يقول : إن القرآن يأخذ من التوراة ويعتمد عليه ، وأن التوراة هى الكتاب الأم ، وهذا نفسه قال به المستشرقون افتراء من بعد : أن القرآن يسطو على التوراة فى كثير من الأحيان!! فاحذر يا أخى كلّ ما يقوله كعب الأحبار هذا ، وخاصة أن الطبرى وابن كثير ، كثيرا ما ينقلان عنه بلا تمحيص ، وحسبنا الله!
* * *
٤٧٥. هل معنى «من قبل أن نطمس وجوها (٤٧)» (النساء)
أنه تعالى يجعل الوجه كالقفا على الحقيقة؟
الخطاب فى الآية لليهود ، وكان منهم عبد الله بن صوريا ، وكعب بن أسد ، فقال لهم النبىّ صلىاللهعليهوسلم : «يا معشر يهود! اتقوا الله وأسلموا ، فو الله إنكم لتعلمون أن الذى جئتكم به الحق». قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد! وجحدوا ما عرفوا ، وأصرّوا على الكفر ، فأنزل الله فيهم : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) (٤٧) (النساء) ، وطمس الوجه يعنى محوه ، وليس المعنى أنه تعالى يطمس وجوه المكذّبين حقيقة فيجعلها كالقفا ، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين ، وإنما هو تعبير عن الضلالة فى قلوبهم ، وقد سلبوا التوفيق ؛ وربما المعنى من قبل أن تصل بكم الضلالة أن لا تهتدوا أبدا ؛ أو أن الآية تمثيل ، فإن لم يؤمنوا يفعل ذلك بهم عقوبة لهم ، وهناك من يفسّر الآية بأن الله تعالى يذهب أنوفهم وشفاههم وأعينهم وحواجبهم ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
