محدث ، فكل محدث لا بد له من محدث ، ومن كان اليوم فى طور ، وغدا فى طور ، فليعرف أن أمره ليس من نفسه ، وأن تدبيره ينظمه له سواه. وقيل لأحد الحكماء : ما الدليل على أن لهذا العالم صانعا؟ فقال : تحويل الحالات ، وعجز القوة ، وضعف الأركان ، وقهر النية ، ونسخ العزيمة.
* * *
٣٣٤. حجّتهم فى إنكار الصانع
الآية : (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (٥) (الرعد) فى إنكار البعث ، وتعنى أن العجب حقا هو إنكارهم أن يبعث الناس من جديد بعد ما يصيرون ترابا ، وإنكار البعث معناه إنكار الصانع الذى يصنع البعث ، فمع الأدلة الواضحة بأن كل متغيّر لا بد له من مغيّر ، فإنهم ينكرون أن يكون للخلق خالق ، وأن يكون فى استطاعته أن يعيد خلقهم كما بدأهم ، فهذا هو مصدر العجب حقا.
* * *
٣٣٥. دليل : المتغيّرات لا بد لها من مغيّر
تلفت الآية : (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٩٩) (الأنعام) النظر إلى التغيرات من حول الإنسان ، فالماء الذى ينزل مطرا ، ويسقى الزرع ، وينبت النخل والأعناب والزيتون والرمان ، متشابها وغير متشابه ، يحثّ على النظر والتفكّر ، وهو نظر اعتبار لا نظر إبصار مجرّد عن التفكّر ، والناظر ينظر ببصره وقلبه معا ، والآية دليل على أن المتغيرات لا بد لها من مغيّر ، وهو فى النهاية الله ، وإلا كنا فى دور وتلاحق اللغة العربية بعبقريتها الفذة أطوار هذا الإثمار للنخل حتى يكون الثمر ، ففي البداية يكون طلعا ، ثم إغريضا إذا انشق عنه الطّلع ، والإغريض يسمى ضحكا أيضا ، ثم بلحا ، ثم سيابا ، ثم جدالا إذا اخضر واستدار قبل أن يشتد ، ثم بسرا ، ثم زهوا إذا أحمر ، فإن كان كذلك من جهة الذّنب فهو مذنّبة ، وهو التذنوب ، فإذا لان فهو ثغدة ، فإذا بلغ الإرطاب نصفه فهو مجزّعة ، فإذا بلغ ثلثيه فهو حلقانة ، فإذا عمّه الإرطاب فهو منسبتة ، فيقال رطب منسبت ، ثم ييبس فيصير تمرا ؛ فهذه الأحوال يلحظها من له دقة بصر وبصيرة ، وتغيّرها تنبيه للناس أن يروا فعل الله فيها ، فلا بد أن هناك محدث لكل هذه التغيرات ، وهو وحده الذى يمكن أن يوجدها ويرسم خطوطها ويستحدث أحوالها ، ولا يمكن أن
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
