بالصرع ، وخطّأ هذا التشخيص ، لأنه فى الصرع لا يكون المريض فى وعيه أثناء النوبات كما كان الحال مع النبىّ صلىاللهعليهوسلم. ومن الجلىّ أن تشخيص شبرنجر للحالة كان هو نفسه تشخيص اليهود لها زمن النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وفى ذلك قال القرآن : (ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى) (١٧) (النجم) ، وقال : (وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) (٢٥) (التكوير) فنفى أن يكون ما رآه محمد هو من زيغ البصر الذى يشاهد عليه مرضى الصرع ، أو أن يكون ذلك لأنه مجنون ، أو لأنه مسحور ، توحى إليه الشياطين ، ونتساءل : فهل من المعقول أن مريضا يعانى الصرع أو الجنون أو السحر يتكلم بمثل ما يتكلم به فى القرآن عن نفسه هكذا؟ وهل يمكنه أن يصف ما يحدث له أثناء النوبة بهذا الوضوح؟
فليس هكذا يكون المصروع ولا مريض الهيستريا ، وقد دفع ذلك مستشرقا مثل بول فرانتس أن يرفض هذه الأحكام ، وأن يصفها بأنها سطحية ومتعجّلة ، ويؤكد أنه لا المصروع ولا الهيستيرى يمكن أن يدمن العادة السرية ، ولا أن يتلو قرآنا بعد النوبة ، أو يتكلم بالأحاديث النبوية ، ولم يعرف عن محمد إلا الخلق القويم ، والشخصية المثالية! ولا مندوحة إذن أن نقر بأن هذه النوبات كانت نوبات وحى فعلا وليست نوبات مرض ، وأن نحذر روايات المؤرخين من المسلمين ، فلربما تكون لهم أغراض من رواياتهم المشينة كأغراض سلمان رشدى ، وربما كانوا من المنافقين ولم يكن إسلامهم حقيقيا ، ويبدو أن اتهام محمد بالصرع أو الهستيريا أو المرض النفسى عموما قد انتهى أمره بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يكن من المناسب أصلا أن يغالى الصحابة فى وصف أحوال النبىّ صلىاللهعليهوسلم عند نزول الوحى ، وقد ربطوا نزول جبريل ـ وهو حدث غير عادى ـ بظواهر غير عادية تأتيه صلىاللهعليهوسلم ، مع أن الأمر كان عاديا وطبيعيا ، فهل من غير الطبيعى أن ينضح العرق من جبينه فى اليوم البارد عند ما تنتابه هذه الحالة الانفعالية المصاحبة لظهور الوحى؟ وإنه لأمر طبيعى وعادى جدا أن يصحب انشغال النبىّ صلىاللهعليهوسلم بالوحى أن تضطرب للحدث جوانبه ، وأن يأتيه مثل صلصلة الجرس فى أذنيه ، وهى ظاهرة معروفة عند الأسوياء ، وتأتى الكثيرين منهم فى حالات الاهتمام الشديد. ومن الاصطلاحات المعروفة عند المشتغلين بالطب النفسى ما يعرف باسم تاريخ الحالة ، ولم يصلنا من أى من المورخين ، أن محمدا قبل البعثة كانت تأتيه نوبات هستيريا أو نوبات صرع ، وعلميا فإن هذه النوبات إذا كان لها أن تظهر فموعدها منذ الطفولة ، وتظهر جلية فى الشباب ، وليس موعدها السنوات بعد الأربعين حينما واتته البعثة!! ولا يصلح الهستيرى ولا المصروع البتة لقيادة جماعة ، ولا لإصدار الأحكام ، ولعل أهم سمة للهستيرى أنه استهوائى من السهل التأثير عليه ، وهو كثير الترديد للكلمات التى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
