والمؤكد أن : الآية نزلت فى صبيحة عرس رسول الله من زينب ، وكان ذلك فى ذى القعدة من السنة الخامسة من الهجرة. ويقول أنس : إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم دخل حجرته فمكث يسيرا ، وأنزل الله عليه القرآن ، فخرج يتلو هذه الآية وآيات أخرى.
وتشرح الآية نفسها فى السياق العام لما قبلها ولما بعدها ، وما قبلها كان قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ) ، وقوله : (وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) ، وقوله : (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) ، فنهاهم النبىّ صلىاللهعليهوسلم عن الدخول إلا لهذا السبب ، فإذا انتهوا فليستأذنوا ، فإن بقاءهم لأكثر من ذلك كان يشق عليه ويتأذّى به ، وكان يكره أن ينهاهم من شدة حيائه ، فلهذا نزل النهى. وكما نهاهم عن الدخول على نسائه ، نهاهم عن النظر إليهنّ ، فإن استوجب الأمر الحديث معهنّ لحاجة ، فليكن هذا الحديث دون التنظّر ، وليكن ذلك من وراء حجاب. ويذكر القرآن السبب فى الحجاب : (ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ) ، فأمرهم بحفظ الأدب فى الاستئذان ، ومراعاة الوقت ، ووجوب الاحترام ، فإذا أذن لهم فليدخلوا على وجه الأدب ، وحفظ أحكام الحضرة ، فإذا طعموا فلينتشروا فإن حسن خلقه كان يجرّهم إلى المباسطة والتنظّر إلى نسائه ، ولذلك نزلت آية الحجاب ؛ والحجاب : هو الستر ، وهو أطهر للطرفين ، فالنفس أمّارة بالسوء ، ولهذا كان التشديد منه صلىاللهعليهوسلم ، بألّا يخلو رجل بامرأة ليس بينهما محرمة.
وما نريد أن ننبّه إليه هو : أن الحجاب هنا لا يعنى الخمار يغطى الرأس كما هو شائع عند العامة ، وليس هو النقاب ، ولكنه «الستر» يتكلّمن من خلفه. ثم إنه خاص بزوجات النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وأما ما يخصّهنّ ويخصّ زوجات المؤمنين وبناتهم فهو آية الجلابيب التى تقول : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٥٩) (الأحزاب) ، والخطاب لكل هؤلاء ، فهو عام ولا يخص فئة بعينها ، والجلباب : هو الرداء فوق الخمار ، يكون بمنزلة الإزار اليوم ؛ وزيادة التكاليف بالحجاب على نساء النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، إنما لزيادة المكانة والشرف من الدعوة ، فكلما زادت المكانة كلما زادت التكاليف ، فخصّ جميع النساء بآية الجلابيب ، وخصّ نساء النبىّ صلىاللهعليهوسلم بآية الحجاب ، ولكل منهما أسبابه المطروحة فى الآية نفسها ، وهو ما نسميه بأسباب النزول. ولا يدخل فى آية الحجاب جميع النساء بالمعنى كما قيل ، فذلك تحميل للآية فوق ما تحتمل ، وإنما جميع النساء تخصّهنّ آية الجلابيب ، ولقد توفى نساء النبىّ صلىاللهعليهوسلم اللاتى كانت الآية تشملهنّ ، وأما نساء المؤمنين فهنّ باقيات ما بقيت الدنيا ، وسبب نزول آية
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
