١٧٦. هل من السنة عرض القرآن؟
عرض القرآن أى قراءته على الغير ، أو أن نستمع القرآن من غيرنا. وعن ابن مسعود فيما رواه البخارى قال : قال لى النبىّ صلىاللهعليهوسلم : «اقرأ علىّ القرآن». قلت : عليك ، وعليك أنزل؟ قال : «إنى أحبّ أن أسمعه من غيرى». وسماع القرآن من الغير إنما لعرضه ، وقد يكون لتدبّره وتفهّمه ، لأن الذى يسمع يتفرّغ للسماع ، فيقوى على التدبّر ، وينشط لفهم ما يقرأ عليه ، ويخلى نفسه لعبره ، أكثر من القارى الذى اشتغاله بالقراءة وأحكامها.
* * *
١٧٧. هل يستحب البكاء مع قراءة القرآن؟
البكاء عند قراءة القرآن سنّة العارفين ، وشعار الصالحين ، وعن ابن مسعود أن النبىّ صلىاللهعليهوسلم سأله أن يقرأ عليه القرآن ، فقال له ابن مسعود : اقرأ عليك ، وعليك نزل؟ قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إنى اشتهى أن أسمعه من غيرى». وقال ابن مسعود ، فقرأت النساء حتى إذا بلغت : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) (٤١) ، قال لى : " كفّ" أو" أمسك" أو" حسبك الآن" ، فالتفت إليه ، فرأيت عينيه تذرفان». وفى القرآن : (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (١٠٩) (الإسراء) ، ويقول : (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) (٥٨) (مريم) ، والبكاء يستحب مع القراءة ، وعند القراءة ، والقارئ بوسعه تحصيله ، بأن يحضر قلبه الحزن والخوف ، بتأمل ما فى القرآن من تهديد ووعيد ، واستذكار ما يتضمنه من وثائق وعهود ، ثم ينظر تقصيره فى ذلك ، فإن لم يحضره الحزن ، فليبك على افتقاده ، وإذا افتقد المسلم التأمل والخوف والحزن ، فهذه مصيبة من أعظم المصائب. وفى رواية ابى حاتم والطبرانى من طريق ابن فضالة أن النبىّ صلىاللهعليهوسلم لما قرئت عليه الآية : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) (٤١) (النساء) بكى حتى ضرب لحييه ووجنتيه فقال : «يا ربّ! هذا على من أنا بين ظهريه ، فكيف بمن لم أره!».
ولم يكن بكاؤه إلا لأنه مثّل لنفسه أهوال يوم القيامة ، وشدّة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق ، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف ، وهو أمر يحق له بسببه طول البكاء ، رحمة لأمته. والمسلم الجيد يبكى طلبا للرحمة لنفسه. ومع ذلك فليس كل أحد قادر على استحداث البكاء أو الانفعال به ، والناس فى الأحوال الانفعالية أصناف ، وهذا الذى ينفعل هو «الانفعالى» ، وهناك آخرون لا ينفعلون وهم «العقلانيون» ، وطريق هؤلاء
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
