وعن ابن شهاب : «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» ، أو «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». والتلاوة خلاف التغنّى ، فالتلاوة تجويد. والتغنّى بالقرآن : هو أن تجوّده وتتلوه بصوت جهير حسن ، قيل يتحزّن به. وقيل : التغنى بالقرآن : هو أن تقوم عليه وتتشاغل وتتلذذ به وتستحلى له ، كما يلتذ أهل الطرب بالغناء ، وتجعله هجيراك ، أى دأبك وعادتك ، كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء. والعرب كانوا إذا ركبوا الإبل ، أو جلسوا فى أفنيتهم تغنّوا. فكأن التغنى هو الحثّ على ملازمة القرآن ، وقد يعنى التغنّى : الاستغناء بالقرآن ، بأن نصدّق بما فيه ونؤمن به ، ولا نصدق أو نؤمن بغيره. والتغنّى قد لا يستطيعه كل الناس ، وعندئذ يكون معناه أن نرتاح لقراءته ، ونسكن لسماعه من الآخرين يتغنون به. والتغنّى : أن نغتنى به نفسيا ونقنع. وكان الشافعى يحب أن يقرأ القرآن حدرا وتحزينا. وفى اللغة حدرت القراءة أدرجتها ولم أمططها ، والتحزين ترقيق الصوت وتصييره كصوت الحزين يرقّق القلوب. والشافعى على الرأى بأن التغنّى هو تحسين الصوت.
* * *
١٧٢. ما هو حسن الصوت فى القراءة؟ وما هو الترنّم بالقرآن؟
عند الطبرى عن ابن شهاب قال : «قد أذن للنبىّ صلىاللهعليهوسلم بالترنّم» ، والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسّنه القارئ وطرب له. وعند ابن ماجة والحاكم وابن حبان عن فضالة بن عبيد قال : «الله أشد أذنا ـ أى استماعا ـ للرجل الحسن الصوت بالقرآن ، من صاحب القينة إلى قينته» ، والقينة هى المغنية. وعند أبى داود ، من طريق ابن أبى مسجعة ، قال : كان عمر ابن الخطاب يقدّم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم».
وعند ابن أبى شيبة من حديث عقبة بن عامر ، قال : «تعلّموا القرآن ، وغنوا به وأفشوه» ، والتغنّى هو الترجيع بالصوت. وربما التغنى بمعنى تكلّف القرآن ، أى نطلبه ونحمل أنفسنا عليه ولو شق ذلك علينا. ويؤيد ذلك قوله صلىاللهعليهوسلم فى حديث سعد بن أبى وقاص عند ابن عوانة : «فإن لم تبكوا فتباكوا» ، وقيل من يقرأه ويرفع صوته فقد تغنى. وعن عبيد بن عمير قال : «كان داود عليهالسلام يتغنّى ـ يعنى حين يقرأ ـ ويبكى ويبكى». وعن ابن عباس : أن داود كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا ، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم ، وكان إذا أراد أن يبكى نفسه ، لم تبق دابة فى بر ولا بحر إلا أنصتت له واستمعت وبكت» وفى الحديث : «إن أبا موسى أعطى مزمارا من مزامير داود». والحاصل أنه يمكن الجمع بين هذه التأويلات كلها ، وهو أن يحسّن صوته إذا قرأ ، جاهرا به ، مترنما على طريق التحزّن ، مستغنيا بالقراءة ، طالبا بها غنى النفس ، وراجيا غنى اليد. والنفس أكثر طلبا للقراءة
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
