أدنى لن يشق عليهم أن يكونوا قريبين منه. والتحدى مفتوح من البعثة وحتى اليوم! وما انبرى أحد أبدا أن يبارى القرآن ، ولم يتصدوا له مجتمعين ولا منفردين ، علما بأن المنافسات هى دأب العصر ، ونسمع عن مثلها فى مجال الرياضة ، وفى المسابقات الفنية ، وتدعى إليها المكاتب الهندسية ، وما جعلت الجوائز الكبرى كجائزة نوبل وغيرها إلا لمكافأة المميّزين ، الذين يتقدمون بمشاريع متباينة بحسب الأشخاص ، ولكنها فى المجال الواحد. والتحدى الذى يطرحه القرآن هو من هذا القبيل ، فهو ليس بدعة ، ولم يأت القرآن فيه بجديد ، وأئمة البيان فى العالم بالآلاف ، والمبدعون فى الفكر الدينى كثر ، والمستشرقون يدّعون العلم بالعربية ، ولم يكن من شروط التحدى مع ذلك أن يكون المثيل للقرآن بلغة العرب ، فليكن بأى لغة كانت ، ومن أى قوم من الأقوام. ولقد مضى على طرح هذا التحدى نحو ألف وخمسمائة عام ، ولم نسمع عن متقدم واحد أو عدد من المتقدمين ، والقرآن يتحداهم أن يظاهروا بعضهم البعض ، وأن يكون معهم الإنس والجن لو استطاعوا ، وأن يكونوا لبعضهم البعض ظهيرا. وحتى الآن فإن ذلك دليل وأى دليل على أن القرآن من لدن عزيز حكيم ، وليس بكلام محمد ولا غير محمد من المخلوقين.
* * *
١٤٧. ما القول فى أن ادعاء" إعجاز القرآن" هو نفسه ادّعاء إعجاز الكلام
النبوى ، فلما ذا يكون القرآن المعجز هو كلام الله ، والكلام النبوى هو كلام محمد؟
الصحيح أن كلام القرآن معجز وكذلك الكلام النبوى ، ولكن معنى الإعجاز فى الحالين ليس واحدا ، ففي القرآن يعنى الإعجاز أن من يشأ مماثلة القرآن ، لا بد أن يفشل ، ولن يستطيع أن يأتى بسورة من مثله ، لا من حيث الموضوع ولا الصياغة. وفى الكلام النبوى فإن الإعجاز يعنى البلاغة ، وكلامه صلىاللهعليهوسلم كلام بشر ، ومحمد ليس إلا بشرا يوحى إليه ، وما يوحى إليه يتعلق بالموضوعات ، وأما الكلام فمن عند محمد ، ولذا فقد تكون للحديث الواحد روايات شتى ، وفى بعضها زيادة ، وفى بعضها نقص ، وقد تتغير فيها الألفاظ ، وطالما اتفق الناس على الموضوع الواحد فإن تعبيراتهم عنه تتشابه فى أشياء وتتماثل فى أشياء. وقد تشابهت أقوال النبىّ مع أقوال الصحابة فى أشياء حتى ليحار الباحث المدقق ، هل هو من أحاديث النبىّ أم أنه من أحاديث الصحابة؟ ولو كان كلام القرآن قد صدر عن محمد كالأحاديث التى صدرت عنه لتشابه الاثنان وتماثلا ، ولا تملك وأنت تسمع الكلام النبوى إلا أن تقول هذا كلام بشر ، ورغم أنه عالى البيان ويتفوق على كلام الناس ، إلا أن تفوقه من باب أن الكلام قد يكون بليغا ، وقد يوجد الكلام الأبلغ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
