مِنْهُ) عبارة أخرى ، وكلاهما تقال ضمن باب الحكم أو الأمثال ، والأصل أن ما سلف كان فى الجاهلية ، وبعد ما علم الحق لم يعد موجب للقول أو للفعل ، فصارت العبارتان عامتين تقالان فى مختلف المواقف المشابهة ، والملابسات المماثلة ، فلما كان الناس يجهلون غالبا ويصدرون عن جهل ، فالعفو عنهم أولى ، ودواء الجهل التعليم والتعلّم ، فإذا تعلم الجاهل ، وعرف عن الخير ومنصرفاته ، والشرّ وأدواته ، والصدق ومنافعه ، والكذب ومضاره ، والحق ورفعة الأخذ به ، والباطل وخسران أتباعه ، ثم مع ذلك فعل الشر ، والتزم الكذب ، وآثر الباطل ، فذلك شأنه إلى الله يحبط عمله ، وينتقم منه ، وفى القصاص حياة ، (وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ).
(قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) (١٠٠) : قيل : على ضرب المثال فإن الخبيث والطيب هو الحرام والحلال ، والعاصى والمطيع ، والردىء والجيد ، واللفظ عام فى جميع الأمور : فى المكاسب ، والناس ، والمعارف ... إلخ. وفى معناه الحديث عند ابن كثير : «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» ، والحديث عند البغوى : «قليل تؤدّى شكره خير من كثير لا تطيقه».
(لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (١٠١) : تأديب ونهىّ عن السؤال عن أشياء لا فائدة من السؤال فيها والتنقيب بشأنها ، فربما إن ظهرت خباياها تسوء السائلين فيها ويشق عليهم سماعها ، وفى مثل ذلك ـ الحديث : «لا يبلغنى أحد عن أحد شيئا. إنى أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» ومناسبة الآية عند البخارى عن أنس أن الرسول صلىاللهعليهوسلم خطب خطبة قال فيها : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» ، فنزلت الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا) الآية ، وظاهرها النهى عن السؤال عن الأشياء التى إذا علم بها الشخص ساءته ، فالأولى الإعراض عنها وتركها. وفى الحديث : «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شىء لم يحرم فحرم من أجل مسألته». وفى الصحيح قال : «ذرونى ما تركتكم ، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» ، وقال : «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحدّ حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها». والسؤال المنهى عنه هو الذى تقع المساءة فى جوابه ، وأن يكون التكثير من السؤال تنطعا وتكلّفا ، ومن باب الأغلوطات وتشقيق المولدات. وفى أيام الرسول صلىاللهعليهوسلم عند نزول هذه الآية كان يخاف أن ينزل بسبب السؤال تحريم ، وأما اليوم فللمسلم أن يسأل متفهما راغبا فى العلم ونفى الجهل عن نفسه ، باحثا عن معنى يجب الوقوف عليه ، ولا بأس بالسؤال من هذا النوع ، فشفاء العى السؤال ، ومن يسأل متعنتا لا يسعى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
