تلقى الضوء على شخصية يونس ، ومن ملابسات القصة أنه كان ضيق الصدر ، فلما حمل أعباء النبوّة تفسّخ تحت حملها الثقيل ، فمضى على وجهه كالآبق. ومعنى أبق أى هرب. فهل كان خروجه المغضب هذا قبل أن يبلّغ أهل نينوى رسالة ربّه ، أم كان بعد أن بلّغها لهم فوجد منهم الصدّ ، فوعدهم العذاب بعد أربعين يوما ثم رحل عنهم؟ أم أنه انتظر فلما رأى العذاب قد رفع ولم يعلم أن الله قد تاب عليهم ، ذهب مغضبا فكان ما كان من أمر الحوت معه؟ أم أن قصته مع الحوت كانت قبل الإبلاغ ، فلربما جاءه التكليف وكان عليه أن يرحل فورا دون أن يعدّ نفسه ، فكان ضيق الصدر ، فخرج مغاضبا من أجل ربّه ، ساخطا على أهل نينوى أنهم كانوا سبب كل هذه المشقة والكلفة؟ وفى جميع الأحوال فليس خلق يونس من خلق الأنبياء ، ولذا قال الله تعالى لنبيّه محمد صلىاللهعليهوسلم : (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (٤٨) (القلم) ، و «صاحب الحوت» اسم آخر ليونس يشتهر به. «ومكظوم» يعنى مكروب أو مغموم ، ولذا قال «ونجيناه من الغمّ». والمقارنة بين النبىّ صلىاللهعليهوسلم ويونس فى الآية السابقة هى التى جعلت الرسول صلىاللهعليهوسلم يأمر أصحابه فيقول : «لا ينبغى لأحد أن يقول أنا ـ يعنى النبىّ صلىاللهعليهوسلم ـ خير من يونس بن متى» أخرجه الشيخان. والغم والكظم صارا من المصطلحات الوجودية وليس لهما ضريب فى قصة التوراة ، الأمر الذى يجزم إمّا بسبق القرآن إلى أمثال هذه الحالات الوجودية ، وإما أن الفلاسفة الوجوديين وأخصهم كير كجارد وبسكال قد قرءا ترجمة القرآن ، وهما فعلا قرءاه ، وخاصة بسكال ، وتأثّرا بأمثال هذه المصطلحات فى النسق القرآنى الذى تضمّنها.
وقوله تعالى : «فساهم» يعنى قارع ، من السهام التى تجال ، وقد كان يونس «من المدحضين» أى المغلوبين ، فلما رموه التقمه الحوت ، ولا يلام الحوت ، لأن الملوم هو يونس الذى كان منه ما استحق به هذا الجزاء ، «فلولا أنه كان من المسبّحين» أى الذين يذكرون الله ، للبث فى بطن الحوت إلى يوم البعث عقوبة له. والاختلاف بين المفسرين على المدة التى أقامها ، فمنهم من زاد على الرواية اليهودية وقال أربعين يوما ، لأن الرقم أربعين عرفناه من قبل مع موسى فى الجبل ، ومنهم من قال سبعة أيام ، والعدد ثلاثة أيضا له أسراره ، ومنهم من ذكر أن ذلك تم سريعا تماما مثل حمل مريم ، فتلك أعمال ربّانية وليس للوقت فيها حساب. وفى فقه إلقاء يونس فى البحر لمّا عصى ، ينفرد الإسلام بأنه لا يجوز إلقاء العاصى بعصيانه فى البحر ولا فى النار كما فى قصة إبراهيم ، ولا يجوز قتله ، وإنما تجرى عليه الحدود ويعزّر على مقدار جنايته. وكذلك لا يجوز ضرب القرعة على من كان فى سفينة فى البحر بقصد تخفيف وزنها حتى لا تغرق ثقلا ، أو بقصد أى شرّ وتسبيح
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
