لسليمان ، تختلف عما فى القرآن تماما ، وصورته فى القرآن تنزّهه عن هذا الخلط ، وترفعه مكانا عليا ، وتجعله إماما فى التوحيد ، وتقدّم قصته مع ملكة سبأ كنوع من الجهاد وكداعية إلى الله. والهدهد فى القصة ، بمثابة جهاز الاستخبارات للملك ، ويقدّم صورة دقيقة لأحوال مملكة سبأ التى تحكمها هذه الملكة ، وكان من غير المألوف أن يكون الحكام من النساء ، وما كان سليمان يعرف مكانها ولا حقيقة أمرها ، وعرفها الهدهد ، فالحال فى المعرفة للمطّلع وليس للأعلى مكانة ، والله يأمر بالسير فى الأرض لنعرف ، والهدهد ترك فلسطين إلى اليمن وهو من الطيور المهاجرة ، ومن أجل ذلك عرف ، وأحاط بما لم يحط به سليمان ، وهذا دليل على أن الأنبياء لا يعلمون الغيب ، والهدهد وصف ما جاء به من معلومات بأنها نبأ يقين ، لأنه عن معاينة ورآه رأى العين. وربما يتمشّى قوله : (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) (النمل ٢٣) ، ومع تأكيد التوراة أن سليمان كان به ميل للنساء ، وحول علاقته ببلقيس نسجت أساطير وحكايات تزوّجه منها ، أو من آخرين ، وقيل عاشت معه فى الشام ، أو أنه ردّها إلى اليمن ، وهذه الصورة الشعبية لها تتنافى مع كل الحكمة التى صورها بها القرآن ، ونسب المبتدعة إلى الرسول صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» ، وعلى عكس هذا الحديث كان فلاح قوم بلقيس بولايتها لهم ، ثم إن المرأة فى الإسلام اشتغلت بالقضاء ، وكانت لعائشة مدرسة فى الفقه تخرّج عليها ما يزيد على الثلاثمائة من المحدّثين والرواة والدعاة ، وشاركت النساء فى المجهود الحربى ، ومارسن الطب ، فلما ذا لا تشتغل المرأة بالحكم؟ والدليل أن المرأة يجوز أن تحكم ، أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضى لها ، وسماع البيّنة عليها ، والفصل بين الخصوم فيها ، وذلك ممكن للمرأة كإمكانه للرجل. ودليلنا نجاح بلقيس كملكة ، حتى قال الهدهد فيها مبالغا : (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) (٢٣) (النمل) ، أى وأوتيت كل شىء مما تحتاجه كملكة ، وكان عرشها ، أى ملكها ، عظيما. فإذا كان الهدهد قد وصف عرشها بالعظمة كوصف عرش الله بالعظمة ، فإن عظمة عرشها كان بالمقارنة بعظمة مثيله من عروش الملوك ، وأما عرش الله فإنه عظيم بالنسبة لما خلق من السموات والأرض ، وكلّ له عظمته فى مجاله. والشيطان قد زيّن لهم أعمالهم ، وأن يسجدوا للشمس ، وكان الأولى بهم أن يسجدوا لله ولكنهم لم يهتدوا إليه ، وإنها لسخرية أية سخرية أن يعلم الهدهد عن الله ويوحّده ولا يعلم عنه هؤلاء ، وربما كان علم الهدهد به تعالى بفضل سليمان ، فقد كان سليمان نبيا ورسولا إلى جماعات الطير والجن والإنس فى زمنه. ولم نعرف لغة كتاب سليمان إلى بلقيس ، وفهمته رغم إيجازه وقدّرت ما فيه ، وكانت عند مستوى المسئولية ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
