الصياغتين العبريتين والصياغة العربية ، فأولا نسب القرآن المعنى للزبور ، وقال : «كتبنا» أى أن الأمر وحى من الله ، و «الذكر» هو التوراة ، فالقضية سواء بطرح التوراة أو الزبور (المزامير) أو القرآن ، الأصل فيها الله ، ونسبة العبارة للمزامير دليل على صدق القرآن ، وهى له وليست عليه ، وكان الأحرى بهوروفتس أن يصدّق القرآن ، طالما أن القرآن يصدق ما قبله : (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) (البقرة ٩٧) ، أى نزل مصدّقا لما سبقه من التنزيل. وما كان محمد صلىاللهعليهوسلم قد اطّلع على ترجمات للمزامير ، فأول ترجمة لها بالعربية كانت فى القرن الثانى الهجرى ، فكيف كان يتسنّى لمحمد صلىاللهعليهوسلم أن يعرف ما فى المزامير؟ ثم إن المزامير ١٥٠ مزمورا ، منها ٧٣ فقط نسبت لداود ، ومنها المزمور ٣٦ الذى قيل إن العبارة السابقة منه ، يعنى أن القرآن يصدق مرة ثانية فى نسبة العبارة للزبور الذى هو كتاب داود فلم يخطئ ونسب إلى داود شيئا لم يقله ، ومزامير داود هو هذه المزامير التى عددها ٧٣ دون غيرها من المزامير المضافة عليها مجهولة المؤلف. وثمة اختلاف آخر : أن عبارتى المزامير بشارة للأخيار الذين يباركهم الربّ ، والكلام فى المزمور كله عن استئصال الأشرار وتمكين الأخيار. وأما فى الآية القرآنية : فالكلام قضية منطقية كلية صادقة ، يقول : (الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (١٠٥) ، ويقول بعدها : (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (١٠٧) (الأنبياء) ، فجعل هذه القضية من قضايا الإعلام الإسلامى ، ينبّه إليها الجميع ، وكان بلاغ توريث الأرض أحد البلاغات الكثيرة الصادرة عن الله تعالى خلال بعثة محمد صلىاللهعليهوسلم ، وجعل توريث الأرض للصالحين أصلا من الأصول فى السياسة الإسلامية ، وفى الاقتصاد والحكم ، وجعل الصلاح سببا لاستحقاق الوراثة ، فلم يجعلها بالعصب وإنما بالصلاح. ووجّه البلاغ للعالمين ليحيطوا به علما ، ولتعمل بمتقتضاه جماعة المؤمنين ، وفى ذلك كل الرحمة بهم ، وكان المبلّغ بها ـ وهو محمد ـ بمقتضى هذه البشارة والنذارة معا التى حمّلها ، رحمة للعالمين كذلك. فهل مثل هذه المعانى السياسية والتربوية والاقتصادية مما يمكن أن يتضمّنه نصّ المزمور؟ والجواب بالنفى وإنما هو مجرد نصّ بدلالة ضحلة ، والقرآن وسّع دلالته وصنع من عبارتى المزمور ومن غيرهما علما استنباطيا إضافيا هو علم الإسلام السياسى.
* * *
٨٧٦. الإسرائيليات فى تفسير آية توريث الأرض للصالحين
الآية : (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (١٠٥) (الأنبياء) مصدر خلاف بين المفسرين لغلبة الإسرائيليات على توجهات الكثيرين منهم من
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
