حدثنا حميد قال : أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي : فقال لنا : هلما فأنتما أشب سنّا مني ، وأوعى للحديث مني. فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم. فقال له أبو العالية : حدث هؤلاء حديثك. فقال : حدثنا عقبة بن مالك الليثيّ ، قال : بعث النبيّ صلىاللهعليهوسلم سرية فأغارت على قوم. فشد مع القوم رجل فاتّبعه رجل من السرية شاهرا سيفه. فقال الشادّ من القوم : إني مسلم. فلم ينظر فيما قال. فضربه فقتله. فنمى الحديث إلى رسول الله. فقال فيه قولا شديدا. فبلغ القاتل. فبينا رسول الله صلىاللهعليهوسلم يخطب إذ قال القاتل : والله! ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. قال فأعرض رسول الله صلىاللهعليهوسلم عنه وعمن قبله من الناس. وأخذ في خطبته. ثم قال أيضا : يا رسول الله! ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته. ثم لم يصبر حتى قال الثالثة : والله! يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. فأقبل عليه رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، تعرف المساءة في وجهه فقال : إن الله أبى على من قتل مؤمنا. (ثلاث مرات) ورواه النسائيّ. ثم قال ابن كثير : والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها. أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله عزوجل. فإن تاب وأناب وخشع وخضع ، وعمل عملا صالحا ، بدل الله سيئاته حسنات ، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته. قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) إلى قوله (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً) [الفرقان : ٦٨ ـ ٧٠] الآية. وهذا خبر لا يجوز نسخه. وحمله على المشركين وحمل هذه الآية على المؤمنين ـ خلاف الظاهر. ويحتاج حمله إلى دليل. والله أعلم.
وقال تعالى : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) [الزمر : ٥٣] الآية. وهذا عام في جميع الذنوب : من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك. كل من تاب من أيّ ذلك تاب الله عليه. قال الله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) [النساء : ٤٨ ـ ١١٦]. فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها ، لتقوية الرجاء. والله أعلم.
وثبت في الصحيحين (١) خبر الإسرائيليّ الذي قتل مائة نفس ، ثم سأل عالما هل لي من توبة؟ فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله
__________________
(١) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، ٤٥ ـ باب حدثنا أبو اليمان ، حديث ١٦٢٩.
ومسلم في : التوبة ، حديث ٤٦.
![تفسير القاسمي [ ج ٣ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3909_tafsir-alqasimi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
