من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان». فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل قليل لم يخلد في النار. وإن كان معه كثير من النفاق ، فهذا يعذب في النار على قدر ما معه ثم يخرج. إلى أن قال : وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر وشعبة من شعب النفاق. وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية. كما قال الصحابة ، ابن عباس وغيره : كفر دون كفر. وهذا عامة قول السلف انتهى.
فتأمل هذا الفصل وانظر حكايتهم الإجماع من السلف. ولا تظن أن هذا في المخطئ. فإن ذلك مرفوع عنه إثم خطئه كما تقدم مرارا عديدة.
وقال الشيخ تقيّ الدين في كتاب (الإيمان) : الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن. وإن المنافقين الذين قالوا : (آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة : ٨] ، هم في الظاهر مؤمنون يصلون مع المسلمين ويناكحونهم ويوارثونهم. كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلىاللهعليهوسلم. ولم يحكم النبيّ صلىاللهعليهوسلم فيهم بحكم الكفار المظهرين الكفر لا في مناكحتهم ولا في موارثتهم ولا نحو ذلك. بل لما مات عبد الله بن أبيّ ، وهو من أشهر الناس في النفاق ، ورثه عبد الله ابنه ، وهو من خيار المؤمنين. وكذلك سائر من يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون. وإذا مات لهم وارث ورثوه مع المسلمين وإن علم أنه منافق في الباطن. وكذلك كانوا في الحدود والحقوق كسائر المسلمين. وكانوا يغزون مع النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، ومنهم من همّ بقتل النبيّ صلىاللهعليهوسلم في غزوة تبوك. ومع هذا ، ففي الظاهر ، تجرى عليهم أحكام أهل الإيمان. إلى أن قال : ودماؤهم وأموالهم معصومة ولا يستحل منهم ما يستحل من الكفار. والذين يظهرون أنهم مؤمنون ، بل يظهرون الكفر دون الإيمان ، فإنه صلىاللهعليهوسلم قال (١) : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله. وكما قال لأسامة (٢) : أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال : فقلت : إنما قالها
__________________
(١) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، ٩٥ ـ باب على ما يقاتل المشركون ، حديث ٢٦٤١ وهذا نصه : عن أنس قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن يستقبلوا قبلتنا ، وأن يأكلوا ذبيحتنا ، وأن يصلوا صلاتنا. فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها : لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين».
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في : الإيمان ، حديث ١٥٨ ونصه : عن أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم في سرية. فصبّحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلا فقال : لا إله إلا الله. فطعنته ، فوقع ـ
![تفسير القاسمي [ ج ٣ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3909_tafsir-alqasimi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
