قال الحراليّ : ففي ضمنه إشعار بأنّ استحسان بهجة الدنيا كفر مّا ، من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصّر طيّتها ، ويشهد جيفتها ، فلا يغترّ بزينتها ، وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحقّ ؛ فأبهم تعالى المزيّن في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان ، وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى : (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) [الأنعام : ١٠٨].
وفي كلامه إشعار بما يجاب عن ورود التزيين ، مسندا إلى الله تعالى تارة وإلى غيره أخرى ، في عدّة آيات من التنزيل الكريم.
وللراغب كلام بديع ينحلّ به مثل هذا الإشكال وهو قوله :
إن الفعل كما ينسب إلى المباشر له ، ينسب إلى ما هو سببه ومسهّله ، وعلى هذا يصحّ أن ينسب فعل واحد تارة إلى الله تعالى وتارة إلى غيره ، نحو قوله : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) [السجدة : ١١] ، وفي موضع آخر : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ) [الزمر : ٤٢]. فأسند الفعل في الأول إلى المباشر له ، وفي الثاني إلى الآمر به ؛ وهكذا ، بتصوّر ما ذكر ، تزول الشبهة فيما يرى من الأفعال منسوبا إلى الله تعالى ، منفيا عن الله تعالى. نحو قوله : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) [الأنفال : ١٧]. وقوله : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) [الأنفال ١٧] ، وقوله : (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء : ٧٩].
(وَيَسْخَرُونَ) ـ أي : يهزئون ـ (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) وهذا كما قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ...) [المطففين : ٢٩ ـ ٣٦] الآيات (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) وهم المؤمنون ، وإنما ذكروا بعنوان التقوى لحضهم عليها وإيذانا بترتب الحكم عليها (فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) لأنهم في علّيين وهم في أسفل سافلين ، أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا ، كما قال تعالى : (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) [المطففين : ٢٩ ـ ٣٦].
ولذا قال الراغب : يحتمل قوله تعالى (فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) وجهين :
أحدهما : أنّ حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا.
والثاني : أنّ المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات ، والكفار في الدرك الأسفل من النار. انتهى.
![تفسير القاسمي [ ج ٢ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3907_tafsir-alqasimi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
