وتنسفك الدماء. وهذا كثير في القرآن المجيد. (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ) أي : الزرع. (وَالنَّسْلَ) أي : المواشي الناتجة.
قال بعض المحققين : وإنّ إهلاك الحرث والنسل كناية عن الإيذاء الشديد ، وإنّ التعبير به عن ذلك صار من قبيل المثل ؛ فالمعنى : يؤذي مسترسلا في إفساده ولو أدّى إلى إهلاك الحرث والنسل.
(وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) أي : لا يرضى فعله.
قال الراغب : إن قيل : كيف حكم تعالى بأنه لا يحب الفساد وهو مفسد للأشياء؟ قيل : الإفساد في الحقيقة : إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح ، وذلك غير موجود في فعل الله تعالى ، ولا هو آمر به ، ، ولا محبّ له ، وما يرى من فعله ويظهر بظاهره فسادا فهو بالإضافة إلينا واعتبارنا له كذلك. فأمّا بالنظر الإلهيّ فكله صلاح ، ولهذا قال بعض الحكماء : يا من إفساده إصلاح! أي : ما نظنه إفسادا ـ لقصور نظرنا ومعرفتنا ـ فهو في الحقيقة إصلاح ؛ وجملة الأمر : إنّ الإنسان هو زبدة هذا العالم وما سواه مخلوق لأجله ، ولهذا قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ) [البقرة : ٢٩]. والمقصد من الإنسان سوقه إلى كماله الذي رسخ له ، فإذن : إهلاك ما أمر بإهلاكه ، لإصلاح الإنسان وما منه أسباب حياته الأبدية. ولشرح هذه الجملة موضع آخر. ـ
القول في تأويل قوله تعالى :
(وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) (٢٠٦)
(وَإِذا قِيلَ لَهُ) على نهج العظة (اتَّقِ اللهَ) في النفاق ، واحذر سوء عاقبته. أو في الإفساد والإهلاك وفي اللجاج بالباطل (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) أي : حملته الأنفة وحميّة الجاهلية على الفعل بالإثم وهو التكبّر ؛ أو المعنى : أخذته الحميّة للإثم الذي في قلبه فمنعته عن قبول قول الناصح (فَحَسْبُهُ) أي : كافيه (جَهَنَّمُ) إذا صار إليها واستقرّ فيها جزاء وعذابا (وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) أي : الفراش الذي يستقر عليه بدل فرش عزّته.
قال الراغب : المهد معروف ، وتصور منه التوطئة ، فقيل لكلّ وطيء مهد. والمهاد يجعل تارة جمعا للمهد ، وتارة للآلة نحو فراش. وجعل جهنم مهادا لهم كما جعل العذاب مبشّرا به في قوله : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران : ٢١].
![تفسير القاسمي [ ج ٢ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3907_tafsir-alqasimi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
