الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة ..! وقد روي (١) فيمن حجّ ولم يرفث ولم يفسق أنّه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه! وذلك ، لأنّ الإقبال على الله تعالى بتلك الهيئة ، والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع ، يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها. ويدخلها في حياة جديدة : لها فيها ما كسبت ، وعليها ما اكتسبت ..! (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) وروى البخاريّ (٢) عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون ويقولون : نحن المتوكلون! فإذا قدموا مكّة سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى : (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى).
أي : وتزوّدوا ما تتبلغون به وتكفّون به وجوهكم عن الناس ، واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم. (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) ، أي : الاتقاء عن الإبرام والتثقيل عليهم ..!.
وقال ابن عمر : إنّ من كرم الرجل طيب زاده في السفر. وكان يشترط على من صحبه الجودة .. نقله ابن كثير.
ويقال : في معنى الآية : وتزودوا من التقوى للمعاد ، فإنّ الإنسان لا بدّ له من سفر في الدنيا ، ولا بدّ فيه من زاد ، ويحتاج فيه إلى الطعام والشراب والمركب ؛ وسفر من الدنيا إلى الآخرة ، ولا بدّ فيه من زاد أيضا وهو تقوى الله ، والعمل بطاعته ، واتقاء المحظورات ..! وهذه الزاد أفضل من الزاد الأول ، فإنّ زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها ، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة ..! وفي هذا المعنى قال الأعشى :
|
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى |
|
ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا |
|
ندمت على أن لا تكون كمثله |
|
وأنّك لم ترصد لما كان أرصدا ..! |
وثمّة وجه آخر : وهو أنّ قوله تعالى : (وَتَزَوَّدُوا) أمر باتخاذ الزاد هو طعام السفر ، وقوله (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) إرشاد إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى
__________________
(١) أخرجه البخاريّ في : المحصر ، ٩ ـ باب قول الله تعالى : (فَلا رَفَثَ) حديث ٨١٠.
ومسلم في : الحج ، حديث ٤٣٨. ولفظ البخاريّ : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال : رسول الله صلىاللهعليهوسلم «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه».
(٢) أخرجه البخاريّ في : الحج ، ٦ ـ باب قول الله تعالى : (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) حديث ٨١١.
![تفسير القاسمي [ ج ٢ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3907_tafsir-alqasimi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
