وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ) أي يدع كل منا ومنكم نفسه ، وأعزة أهله ، وألصقهم بقلبه ، ممن يخاطر الرجل بنفسه لهم ويحارب دونهم ، ويحملهم على المباهلة (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أي نتضرع إلى الله تعالى ونجتهد في دعاء اللعنة (فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ) أي إبعاده وطرده (عَلَى الْكاذِبِينَ) منا ومنكم ليهلكهم الله وينجي الصادقين ، فلا يبقى العناد الباقي عليكم بعد اتفاق الدلائل العقلية والنقلية.
تنبيهات :
الأول ـ قال القاشانيّ : إن لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما سببه اتصال نفوسهم بروح القدس وتأييد الله إياهم به ، وهو المؤثر بإذن الله في العالم العنصريّ ، فيكون انفعال العالم العنصريّ منه كانفعال بدننا من روحنا بالهيئات الواردة عليه ، كالغضب والحزن والفكر في أحوال المعشوق ، وغير ذلك من تحرك الأعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم. وانفعال النفوس البشرية منه كانفعال حواسنا وسائر قوانا من هيآت أرواحنا ، فإذا اتصل نفس قدسيّ به كان تأثيرها في العالم عند التوجه الاتصاليّ تأثير ما يتصل به ، فتنفعل أجرام العناصر والنفوس الناقصة الإنسانية منه بما أراد. ألم تر كيف انفعلت نفوس النصارى من نفسه عليهالسلام بالخوف ، وأحجمت عن المباهلة ، وطلبت الموادعة بقبول الجزية؟
الثاني ـ قال ابن كثير : وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نصارى نجران لما قدموا المدينة ، فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوّة والإلهية ، فأنزل الله صدر هذه السورة ردّا عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق وغيره ، وكانوا ستين راكبا ، منهم ثلاثة نفر ، إليهم يؤول أمرهم : العاقب أمير القوم واسمه عبد المسيح ، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم : ، وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم. وفي القصة أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم لما أتاه الخبر من الله عزوجل ، والفصل من القضاء بينه وبينهم ، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه ، دعاهم إلى المباهلة فقالوا : يا أبا القاسم! دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما نزيد أن نفعل فيما دعوتنا إليه ، فانصرفوا عنه ، ثم خلوا بالعاقب فقالوا : يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال : والله يا معشر النصارى! لقد عرفتم إن محمدا لنبيّ مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيّا قط ، فبقي كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في
![تفسير القاسمي [ ج ٢ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3907_tafsir-alqasimi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
