القول في تأويل قوله تعالى :
(وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) (٥٠)
(وَمُصَدِّقاً) حال معطوفة على قوله (بآية) أي جئتكم بآية وصدقا (لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ) أي مقررا لهما ومثبتا (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) قال ابن كثير : فيه دلالة على أن عيسى عليهالسلام نسخ بعض شريعة التوراة ، وهو الصحيح من القولين. ومن العلماء من قال : لم ينسخ منها شيئا ، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه خطأ ، وانكشف لهم عن الغطاء في ذلك ، كما قال في الآية الأخرى : (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) [الزخرف : ٦٣]. والله أعلم ـ انتهى ـ أقول : من البعض الذي أحله عيسى عليهالسلام لهم فعل الخير في السبوت ، وقد كانوا يعتقدون تحريم مطلق عمل يوم السبت ، ولذا لما اجتاز عليهالسلام بالإسرائيلين مرة أبصر مريضا فسألوه : هل يحل أن يشفي في السبت؟ فقال لهم عليهالسلام : أي إنسان منكم يكون له خروف ، فيسقط في حفرة يوم السبت ولا يمسكه ويرفعه؟ والإنسان كم يفضل الخروف؟ فإذن يحل فعل الخير في السبوت ، ثم أبرأ ذلك المريض ـ كذا في الأصحاح الثاني عشر. من الفقرة التاسعة إلى الثالثة عشرة من إنجيل متى ـ وفيه في الأصحاح الخامس الفقرة السابعة عشرة قول المسيح عليهالسلام : لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض بل لأكمل ـ انتهى ـ وقد اتفقوا على أن المسيح عليهالسلام أقام شرائع التوراة كلها ، ثم جاء بولس ومن بعده من الرهبان فادعوا أن المسيح عليهالسلام فعل ذلك كله ورفعه عنهم ، إذ أكمله وأتمه بفعله إياه. وكفاهم مؤونة العمل بشيء منه ، وأغناهم بشريعته الروحانية ، فنقضوا الناموس الذي جاء لإكماله المسيح. فمما نقضوه إباحة كثير من الحيوانات المحرمة في الناموس الموسويّ ، فنسخت حرمتها في الشريعة العيسوية ، وثبتت الإباحة العامة بفتوى بولس ، إذ قال لهم : لا شيء نجس العين. كما في رسالته إلى أهل رومية. ومما نقضوه تعظيم السبت ، فقد كان حكما أبديا في الشريعة الموسوية ، وما كان لأحد أن يعمل فيه أدنى عمل ، وكان من عمل فيه عملا واجب القتل. ومنه أحكام الأعياد المشروعة في التوراة ، ومنه حكم الختان الذي كان أبديا في شريعة إبراهيم عليهالسلام وأولاده إلى شريعة موسى ، وقد ختن عيسى عليه
![تفسير القاسمي [ ج ٢ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3907_tafsir-alqasimi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
