العرب لا تسفك دما ولا تغير على عدوّ في الأشهر الحرم وهي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب. وسنذكر. في تنبيه يأتي ، التحقيق في كون تحريم القتال فيها محكما أو منسوخا.
قال الراغب : إن قيل : لم لم يقل : القتال فيه كبير ، وشرط النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها أن يعاد معرّفا نحو : سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا؟ قيل : في ذكره منكرا تنبيه على أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه ، فإنّ قتال النبيّ صلىاللهعليهوسلم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه ، فقد قال : أحلّت لي ساعة من نهار ولم تكن تحلّ لأحد قبلي (١).
(وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي : عن دينه الموصل إلى رضوانه ، أو عن البيت الحرام ، فإنّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم : سمّى الحجّ (سبيل الله).
قال الحراليّ : و (الصدّ) : صرف إلى ناحية بإعراض وتكرّه ، و (السبيل) : طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكلّ سالك منهجه. وصدّ مبتدأ.
(وَكُفْرٌ بِهِ) أي : بالسبيل ـ أعني الدين ـ أو بالله ، عطف عليه. (وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ) عطف على (سَبِيلِ اللهِ) أي : وصدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في (بِهِ) أي : كفر به وبالمسجد الحرام. (وَإِخْراجُ أَهْلِهِ) أي : أهل المسجد الحرام ـ وهم : رسول الله صلىاللهعليهوسلم والمؤمنون الذين هم أولياؤه ـ وهو عطف على (صَدٌّ) أيضا (مِنْهُ) من المسجد الحرام ؛ وخبر الأسماء الثلاثة (أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ) جرما مما فعلته السرية من قتلهم إياهم في الشهر الحرام. لأنّ الإخراج فتنة (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) في الشهر الحرام ، أي : فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه ، وحرمة المسجد كحرمة الشهر ..! هذا ، وقيل : خبر (صَدٌّ) و (كُفْرٌ) محذوف لدلالة ما تقدم عليه.
__________________
(١) أخرجه البخاريّ في : العلم ، ٣٩ ـ باب كتابة العلم. ونصه : عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة ، بقتيل منهم قتلوه. فأخبر بذلك النبيّ صلىاللهعليهوسلم. فركب راحلته فخطب فقال : «إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين. ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعدي. ألا وإنها حلّت لي ساعة من نهار. ألا وإنها ساعتي هذه ، حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد. فمن قتل فهو بخير النظرين. إما أن يعقل وإما أن يقاد أهل القتيل». فجاء رجل من أهل اليمن فقال : اكتب لي يا رسول الله. فقال «اكتبوا لأبي فلان» فقال رجل من قريش : إلا الإذخر يا رسول الله ، فإن نجعله في بيوتنا وقبورنا. فقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم «إلا الإذخر ، إلا الإذخر».
![تفسير القاسمي [ ج ٢ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3907_tafsir-alqasimi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
