قال الله تعالى : (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) [الشورى : ٤٠] ، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم ، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
(وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨))
(وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ) ، أي : على آثار النبيّين الذين أسلموا ، (بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ) ، أي : في الإنجيل ، (هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً) ، يعني : الإنجيل ، (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.)
(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ) ، قرأ الأعمش وحمزة (وَلْيَحْكُمْ) : بكسر اللام ونصب الميم ، أي : لكي يحكم ، وقرأ الآخرون : بسكون اللام وجزم الميم على الأمر ، قال مقاتل بن حيان : أمر الله الربانيين والأحبار أن يحكموا بما (١) في التوراة ، وأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما في الإنجيل ، فكفروا وقالوا عزيز ابن الله والمسيح ابن الله ، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ، الخارجون عن أمر الله عزوجل.
قوله سبحانه وتعالى : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ) ، يا محمد (الْكِتابَ) ، القرآن ، (بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ) ، أي : من الكتب المنزلة من قبل ، (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) ، روى الوالي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أي شاهدا عليه ، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والكسائي.
قال حسان : إن الكتاب مهيمن لنبيّنا ، والحق يعرفه ذوو الألباب.
يريد شاهدا ومصدقا ، وقال عكرمة : دالّا ، وقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة : مؤتمنا عليه ، وقال الحسن : أمينا ، وقيل : أصله مؤيمن مفيعل من أمين ، كما قالوا : مبيطر من البيطار (٢) ، فقلبت الهمزة هاء ؛ كما قالوا : أرقت الماء وهرقته ، وإيهات وهيهات ، ونحوها. ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج : القرآن أمين على ما قبله من الكتب ، فما أخبر أهل الكتاب عن كتابهم فإن كان في القرآن صدّقوا وإلا فكذّبوا ، وقال سعيد بن المسيب والضحاك : قاضيا ، وقال الخليل : رقيبا وحافظا ، والمعاني متقاربة ، ومعنى الكل : أن كل (٣) كتاب يشهد بصدقه القرآن فهو كتاب الله تعالى وإلا فلا.
(فَاحْكُمْ) ، يا محمد ، (بَيْنَهُمْ) ، بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك ، (بِما أَنْزَلَ اللهُ) تعالى في
__________________
(١) زيد في المطبوع «أنزل الله».
(٢) في المطبوع «البياطر».
(٣) تصحف في المطبوع «الكل».
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
