فيما بقيت. وأنزل الله على رسوله : (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) ، إلى قوله : (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة : ١١٩].
[١١٣٥] وروى إسحاق بن راشد عن الزهري بهذا الإسناد عن كعب ، قال : نهى رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن كلامي وكلام صاحبي فلبثت كذلك حتى طال عليّ الأمر وما من شيء أهم إليّ من أن أموت ولا يصلي عليّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، أو يموت رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة [التي أنا بها](١) ، فلا يكلّمني أحد منهم ولا يصلّي عليّ [أحد](٢) ، وأنزل الله توبتنا على نبيّه صلىاللهعليهوسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل ، ورسول الله صلىاللهعليهوسلم عند أم سلمة وكانت أم سلمة محسنة في شأني معينة في أمري ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «يا أمّ سلمة تيب على كعب» ، قالت : أفلا أرسل إليه فأبشّره؟ قال : «إذا يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليلة» ، حتى إذا صلّى صلىاللهعليهوسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا.
قوله تعالى : (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) ، اتّسعت ، (وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) ، غمّا وهمّا ، (وَظَنُّوا) ، أي : تيقنوا ، (أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ) ، لا مفزع من الله ، (إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) ، أي : ليستقيموا على التوبة فإن توبتهم قد سبقت ، (إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠))
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)) ، قال نافع : مع محمد وأصحابه. وقال سعيد بن جبير : مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال ابن جريج : مع المهاجرين ؛ لقوله تعالى : (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ) إلى قوله : (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحشر : ٨]. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : مع الذين صدقت نيّاتهم واستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى تبوك بإخلاص نيّة. وقيل : مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة. وكان ابن مسعود يقرأ : (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) ، وقال ابن مسعود : إن الكذب لا يصلح في جدّ ولا هزل ، ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئا ثم لا ينجز له ، اقرءوا إن شئتم هذه الآية.
قوله تعالى : (ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) ، ظاهره خبر ومعناه نهي ؛ كقوله تعالى : (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ) [الأحزاب : ٥٣]. (وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ) ، سكان البوادي مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار ، (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ) ، إذا غزا ، (وَلا يَرْغَبُوا) ، أي : ولا أن يرغبوا ، (بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) ، في مصاحبته ومعاونته والجهاد معه. وقال الحسن : لا يرغبوا بأنفسهم عن أن يصيبهم من
__________________
[١١٣٥] ـ ذكر بعض هذه الرواية عبد الرزاق في «المصنف» ٩٧٤٤ وابن حبان في «صحيحه» ٣٣٧٠ وإسناده قوي.
__________________
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) زيادة عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٢ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3895_tafsir-albaghawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
