في هذه الحياة. وتبرزها وتصوغ منها الخطوط العريضة في الصور الوضيئة .. وإرادة التكريم واضحة في اختيار هذه اللقطات ، وتثبيت الملامح والسمات التي تصورها. التكريم الإلهي لهذه الجماعة السعيدة.
إرادة التكريم واضحة ، وهو يسجل لهم في اللقطة الأولى أنهم : (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) .. أشداء على الكفار وفيهم آباؤهم وإخوتهم وذوو قرابتهم وصحابتهم ، ولكنهم قطعوا هذه الوشائج جميعا. رحماء بينهم وهم فقط إخوة دين. فهي الشدة لله والرحمة لله. وهي الحمية للعقيدة ، والسماحة للعقيدة. فليس لهم في أنفسهم شيء ، ولا لأنفسهم فيهم شيء. وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم ، كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها. يشتدون على أعدائهم فيها ، ويلينون لإخوتهم فيها. قد تجردوا من الأنانية ومن الهوى ، ومن الانفعال لغير الله ، والوشيجة التي تربطهم بالله.
وإرادة التكريم واضحة وهو يختار من هيئاتهم وحالاتهم ، هيئة الركوع والسجود وحالة العبادة : (تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) .. والتعبير يوحي كأنما هذه هيئتهم الدائمة التي يراها الرائي حيثما رآهم. ذلك أن هيئة الركوع والسجود تمثل حالة العبادة ، وهي الحالة الأصلية لهم في حقيقة نفوسهم ؛ فعبر عنها تعبيرا يثبتها كذلك في زمانهم ، حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله ركعا سجدا.
واللقطة الثالثة مثلها. ولكنها لقطة لبواطن نفوسهم وأعماق سرائرهم : (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً) .. فهذه هي صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة. كل ما يشغل بالهم ، وكل ما تتطلع إليه أشواقهم ، هو فضل الله ورضوانه. ولا شيء وراء الفضل والرضوان يتطلعون إليه ويشتغلون به.
واللقطة الرابعة تثبت أثر العبادة الظاهرة والتطلع المضمر في ملامحهم ، ونضحها على سماتهم : (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) .. سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والشفافية ، ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف. وليست هذه السيما هي النكتة المعروفة في الوجه كما يتبادر إلى الذهن عند سماع قوله : (مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) .. فالمقصود بأثر السجود هو أثر العبادة. واختار لفظ السجود لأنه يمثل حالة الخشوع والخضوع والعبودية لله في أكمل صورها. فهو أثر هذا الخشوع. أثره في ملامح الوجه ، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة. ويحل مكانها التواضع النبيل ، والشفافية الصافية ، والوضاءة الهادئة ، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءة وصباحة ونبلا.
وهذه الصورة الوضيئة التي تمثلها هذه اللقطات ليست مستحدثة. إنما هي ثابتة لهم في لوحة القدر ؛ ومن ثم فهي قديمة جاء ذكرها في التوراة : (ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ) .. وصفتهم التي عرفهم الله بها في كتاب موسى ، وبشر الأرض بها قبل أن يجيئوا إليها.
(وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ) .. وصفتهم في بشارته بمحمد ومن معه ، أنهم : (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) .. فهو زرع نام قوي ، يخرج فرخه من قوته وخصوبته. ولكن هذا الفرخ لا يضعف العود بل يشده. (فَآزَرَهُ). أو أن العود آزر فرخه فشده. (فَاسْتَغْلَظَ) الزرع وضخمت ساقة وامتلأت. (فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ) لا معوجا ومحنيا. ولكن مستقيما قويا سويا ..
هذه صورته في ذاته. فأما وقعه في نفوس أهل الخبرة في الزرع ، العارفين بالنامي منه والذابل. المثمر منه والبائر. فهو وقع البهجة والإعجاب : (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ). وفي قراءة يعجب «الزارع» .. وهو رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ صاحب هذا الزرع النامي القوي المخصب البهيج .. وأما وقعه في نفوس الكفار فعلى العكس. فهو وقع الغيظ والكمد : (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) .. وتعمد إغاظة الكفار يوحي بأن هذه الزرعة هي
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
