الرجال القائمين إذ ذاك في بقعة معينة من هذا الوجود .. وأحاول أن أستشعر بالذات شيئا من حال أولئك السعداء الذين يسمعون بآذانهم ، أنهم هم ، بأشخاصهم وأعيانهم ، يقول الله عنهم : لقد رضي عنهم. ويحدد المكان الذي كانوا فيه ، والهيئة التي كانوا عليها حين استحقوا هذا الرضى : (إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) .. يسمعون هذا من نبيهم الصادق المصدوق ، على لسان ربه العظيم الجليل ..
يا لله! كيف تلقوا ـ أولئك السعداء ـ تلك اللحظة القدسية وذلك التبليغ الإلهي؟ التبليغ الذي يشير إلى كل أحد ، في ذات نفسه ، ويقول له : أنت. أنت بذاتك. يبلغك الله. لقد رضي عنك. وأنت تبايع. تحت الشجرة! وعلم ما في نفسك. فأنزل السكينة عليك!
إن الواحد منا ليقرأ أو يسمع : (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) .. فيسعد. يقول في نفسه : ألست أطمع أن أكون داخلا في هذا العموم؟ ويقرأ أو يسمع : (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) .. فيطمئن. يقول في نفسه : ألست أرجو أن أكون من هؤلاء الصابرين؟ وأولئك الرجال يسمعون ويبلغون. واحدا واحدا. أن الله يقصده بعينه وبذاته. ويبلغه : لقد رضي عنه! وعلم ما في نفسه. ورضي عما في نفسه!
يا لله! إنه أمر مهول!
(لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) .. (فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ. فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) ..
علم ما في قلوبهم من حمية لدينهم لا لأنفسهم. وعلم ما في قلوبهم من الصدق في بيعتهم. وعلم ما في قلوبهم من كظم لانفعالاتهم تجاه الاستفزاز ، وضبط لمشاعرهم ليقفوا خلف كلمة رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ طائعين مسلمين صابرين.
(فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) .. بهذا التعبير الذي يرسم السكينة نازلة في هينة وهدوء ووقار ، تضفي على تلك القلوب الحارة المتحمسة المتأهبة المنفعلة ، بردا وسلاما وطمأنينة وارتياحا.
(وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) .. هو هذا الصلح بظروفه التي جعلت منه فتحا ، وجعلته بدء فتوح كثيرة. قد يكون فتح خيبر واحدا منها. وهو الفتح الذي يذكره أغلب المفسرين على أنه هو هذا الفتح القريب الذي جعله الله للمسلمين ..
(وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها) .. إما مع الفتح إن كان المقصود هو فتح خيبر. وإما تاليا له ، إن كان الفتح هو هذا الصلح ، الذي تفرغ به المسلمون لفتوح شتى.
(وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) .. وهو تعقيب مناسب للآيات قبله. ففي الرضى والفتح والوعد بالغنائم تتجلى القوة والقدرة ، كما تتجلى الحكمة والتدبير. وبهما يتم تحقيق الوعد الإلهي الكريم.
* * *
وبعد ذلك التبليغ العلوي الكريم للرسول الأمين عن المؤمنين المبايعين يتجه بالحديث إلى المؤمنين أنفسهم. الحديث عن هذا الصلح ، أو عن هذا الفتح ، الذي تلقوه صابرين مستسلمين :
(وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ، فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ ، وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ، وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً. وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها ، وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً) ..
وهذه بشرى من الله للمؤمنين سمعوها وأيقنوها ، وعلموا أن الله أعد لهم مغانم كثيرة ، وعاشوا بعد ذلك
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
