«فها هنا إذن معمل كيماوي ينتج من المواد أكثر مما ينتجه أي معمل ابتكره ذكاء الإنسان! وهاهنا نظام للتوريد أعظم من أي نظام للنقل أو التوزيع عرفه العالم! ويتم كل شيء فيه بمنتهى النظام!» (١).
وكل جهاز من أجهزة الإنسان الأخرى يقال فيه الشيء الكثير. ولكن هذه الأجهزة ـ على إعجازها الواضح ـ قد يشاركه فيها الحيوان في صورة من الصور. إنما تبقى له هو خصائصه العقلية والروحية الفريدة التي هي موضع الامتنان في هذه السورة. بصفة خاصة : (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ). بعد ندائه : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ) ..
هذا الإدراك العقلي الخاص ، الذي لا ندري كنهه. إذ أن العقل هو أداتنا لإدراك ما ندرك. والعقل لا يدرك ذاته ولا يدرك كيف يدرك!!
هذه المدركات .. نفرض أنها كلها تصل إلى المخ عن طريق الجهاز العصبي الدقيق. ولكن أين يختزنها! إنه لو كان هذا المخ شريطا مسجلا لاحتاج الإنسان في خلال الستين عاما التي هي متوسط عمره إلى آلاف الملايين من الأمتار ليسجل عليها هذا الحشد من الصور والكلمات والمعاني والمشاعر والتأثرات ، لكي يذكرها بعد ذلك ، كما يذكرها فعلا بعد عشرات السنين!
ثم كيف يؤلف بين الكلمات المفردة والمعاني المفردة ، والحوادث المفردة ، والصور المفردة ، ليجعل منها ثقافة مجمعة. ثم ليرتقي من المعلومات إلى العلم؟ ومن المدركات إلى الإدراك؟ ومن التجارب إلى المعرفة؟
هذه هي إحدى خصائص الإنسان المميزة .. وهي مع هذا ليست أكبر خصائصه ، وليست أعلى مميزاته. فهنالك ذلك القبس العجيب من روح الله .. هنالك الروح الإنساني الخاص ، الذي يصل هذا الكائن بجمال الوجود ، وجمال خالق الوجود ؛ ويمنحه تلك اللحظات المجنحة الوضيئة من الاتصال بالمطلق الذي ليس له حدود. بعد الاتصال بومضات الجمال في هذا الوجود.
هذا الروح الذي لا يعرف الإنسان كنهه ـ وهل هو يعلم ما هو أدنى وهو إدراكه للمدركات الحسية؟! ـ والذي يمتعه بومضات من الفرح والسعادة العلوية حتى وهو على هذه الأرض. ويصله بالملأ الأعلى ، ويهيئه للحياة المرسومة بحياة الجنان والخلود. وللنظر إلى الجمال الإلهي في ذلك العالم السعيد!
هذا الروح هو هبة الله الكبرى لهذا الإنسان. وهو الذي به صار إنسانا. وهو الذي يخاطبه باسمه : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ) .. ويعاتبه ذلك العتاب المخجل! (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟) هذا العتاب المباشر من الله للإنسان. حيث يناديه ـ سبحانه ـ فيقف أمامه مقصرا مذنبا مغترا غير مقدر لجلال الله ، ولا متأدب في جنابه .. ثم يواجهه بالتذكير بالنعمة الكبرى. ثم بالتقصير وسوء الأدب والغرور!
إنه عتاب مذيب .. حين يتصور (الْإِنْسانُ) حقيقة مصدره ، وحقيقة مخبره ، وحقيقة الموقف الذي يقفه بين يدي ربه ، وهو يناديه ذلك النداء ، ثم يعاتبه هذا العتاب :
(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ، فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) ..
* * *
ثم يكشف عن علة الغرور والتقصير ـ وهي التكذيب ـ بيوم الحساب ـ ويقرر حقيقة الحساب ، واختلاف الجزاء ، في توكيد وتشديد :
__________________
(١) عن كتاب : العلم يدعو إلى الإيمان.
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
