وهذا الفرض ـ ولو أننا لا نعلق به النص القرآني ـ يوسع من حدود تصورنا نحن للنص والتاريخ الذي يشير إليه. تاريخ صب الماء صبا. وقد يصح هذا الفرض ؛ وقد تجدّ فروض أخرى عن أصل الماء في الأرض. ويبقى النص القرآني صالحا لأن يخاطب به كل الناس في كل بيئة وفي كل جيل.
ذلك كان أول قصة الطعام : (أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا) .. ولا يزعم أحد أنه أنشأ هذا الماء في أي صورة من صوره ، وفي أي تاريخ لحدوثه ؛ ولا أنه صبه على الأرض صبا ، لتسير قصة الطعام في هذا الطريق!
(ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا) .. وهذه هي المرحلة التالية لصب الماء. وهي صالحة لأن يخاطب بها الإنسان البدائي الذي يرى الماء ينصب من السماء بقدرة غير قدرته ، وتدبير غير تدبيره. ثم يراه يشق الأرض ويتخلل تربتها. أو يرى النبت يشق تربة الأرض شقا بقدرة الخالق وينمو على وجهها ، ويمتد في الهواء فوقها .. وهو نحيل نحيل ، والأرض فوقه ثقيلة ثقيلة. ولكن اليد المدبرة تشق له الأرض شقا ، وتعينه على النفاذ فيها وهو ناحل لين لطيف. وهي معجزة يراها كل من يتأمل انبثاق النبتة من التربة ؛ ويحس من ورائه انطلاق القوة الخفية الكامنة في النبتة الرخية.
فأما حين تتقدم معارف الإنسان فقد يعن له مدى آخر من التصور في هذا النص. وقد يكون شق الأرض لتصبح صالحة للنبات أقدم بكثير مما نتصور. إنه قد يكون ذلك التفتت في صخور القشرة الأرضية بسبب الفيضانات الهائلة التي يشير إليها الفرض العلمي السابق. وبسبب العوامل الجوية الكثيرة التي يفترض علماء اليوم أنها تعاونت لتفتيت الصخور الصلبة التي كانت تكسو وجه الأرض وتكون قشرتها ؛ حتى وجدت طبقة الطمي الصالحة للزرع. وكان هذا أثرا من آثار الماء تاليا في تاريخه لصب الماء صبا. مما يتسق أكثر مع هذا التتابع الذي تشير إليه النصوص ..
وسواء كان هذا أم ذاك أم سواهما هو الذي حدث ، وهو الذي تشير إليه الآيتان السابقتان فقد كانت المرحلة الثالثة في القصة هي النبات بكل صنوفه وأنواعه. التي يذكر منها هنا أقربها للمخاطبين ، وأعمها في طعام الناس والحيوان :
(فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا) .. وهو يشمل جميع الحبوب. ما يأكله الناس في أية صورة من صوره ، وما يتغذى به الحيوان في كل حالة من حالاته.
(وَعِنَباً وَقَضْباً) .. والعنب معروف. والقضب هو كل ما يؤكل رطبا غضا من الخضر التي تقطع مرة بعد أخرى ..
(وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً. وَحَدائِقَ غُلْباً. وَفاكِهَةً وَأَبًّا) .. والزيتون والنخل معروفان لكل عربي ، والحدائق جمع حديقة ، وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة المسورة بحوائط تحميها. و (غُلْباً) جمع غلباء. أي ضخمة عظيمة ملتفة الأشجار. والفاكهة من ثمار الحدائق و «الأب» أغلب الظن أنه الذي ترعاه الأنعام. وهو الذي سأل عنه عمر بن الخطاب ثم راجع نفسه فيه متلوّما! كما سبق في الحديث عن سورة النازعات! فلا نزيد نحن شيئا! هذه هي قصة الطعام. كلها من إبداع اليد التي أبدعت الإنسان. وليس فيها للإنسان يد يدعيها ، في أية مرحلة من مراحلها .. حتى الحبوب والبذور التي قد يلقيها هو في الأرض .. إنه لم يبدعها ، ولم يبتدعها. والمعجزة في إنشائها ابتداء من وراء تصور الإنسان وإدراكه. والتربة واحدة بين يديه ، ولكن البذور والحبوب منوعة ، وكل منها يؤتي أكله في القطع المتجاورات من الأرض. وكلها تسقى بماء واحد ، ولكن اليد المبدعة تنوع النبات وتنوع الثمار ؛ وتحفظ في البذرة الصغيرة خصائص أمها التي ولدتها فتنقلها إلى بنتها التي تلدها .. كل أولئك في خفية عن الإنسان! لا يعلم سرها ولا يقضي أمرها ، ولا يستشار في شأن من شؤونها ..
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
