تلك القيمة الجديدة المستمدة مباشرة من السماء ، المعترف بها وحدها في ميزان السماء!
ثم يجيء هذا الحادث لتقرير هذه القيمة في مناسبة واقعية محددة. وليقرر معها المبدأ الأساسي : وهو أن الميزان ميزان السماء ، والقيمة قيمة السماء. وأن على الأمة المسلمة أن تدع كل ما تعارف عليه الناس ، وكل ما ينبثق من علاقات الأرض من قيم وتصورات وموازين واعتبارات ، لتستمد القيم من السماء وحدها وتزنها بميزان السماء وحده!
ويجيء الرجل الأعمى الفقير .. ابن أم مكتوم .. إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو مشغول بأمر النفر من سادة قريش. عتبة وشيبة ابني ربيعة ، وأبي جهل عمرو بن هشام ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة ، ومعهم العباس بن عبد المطلب .. والرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يدعوهم إلى الإسلام ؛ ويرجو بإسلامهم خيرا للإسلام في عسرته وشدته التي كان فيها بمكة ؛ وهؤلاء النفر يقفون في طريقه بمالهم وجاههم وقوتهم ؛ ويصدون الناس عنه ، ويكيدون له كيدا شديدا حتى ليجمدوه في مكة تجميدا ظاهرا. بينما يقف الآخرون خارج مكة ، لا يقبلون على الدعوة التي يقف لها أقرب الناس إلى صاحبها ، وأشدهم عصبية له ، في بيئة جاهلية قبلية ، تجعل لموقف القبيلة كل قيمة وكل اعتبار.
يجيء هذا الرجل الأعمى الفقير إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو مشغول بأمر هؤلاء النفر. لا لنفسه ولا لمصلحته ، ولكن للإسلام ولمصلحة الإسلام. فلو أسلم هؤلاء لا نزاحت العقبات العنيفة والأشواك الحادة من طريق الدعوة في مكة ؛ ولا نساح بعد ذلك الإسلام فيما حولها ، بعد إسلام هؤلاء الصناديد الكبار ..
يجيء هذا الرجل ، فيقول لرسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله .. ويكرر هذا وهو يعلم تشاغل الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بما هو فيه من الأمر. فيكره الرسول قطعه لكلامه واهتمامه. وتظهر الكراهية في وجهه ـ الذي لا يراه الرجل ـ فيعبس ويعرض. يعرض عن الرجل المفرد الفقير الذي يعطله عن الأمر الخطير. الأمر الذي يرجو من ورائه لدعوته ولدينه الشيء الكثير ؛ والذي تدفعه إليه رغبته في نصرة دينه ، وإخلاصه لأمر دعوته ، وحبه لمصلحة الإسلام ، وحرصه على انتشاره!
وهنا تتدخل السماء. تتدخل لتقول كلمة الفصل في هذا الأمر ؛ ولتضع معالم الطريق كله ، ولتقرر الميزان الذي توزن فيه القيم ـ بغض النظر عن جميع الملابسات والاعتبارات. بما في ذلك اعتبار مصلحة الدعوة كما يراها البشر. بل كما يراها سيد البشر ـ صلىاللهعليهوسلم ـ.
وهنا يجىء العتاب من الله العلي الأعلى لنبيه الكريم ، صاحب الخلق العظيم ، في أسلوب عنيف شديد. وللمرة الوحيدة في القرآن كله يقال للرسول الحبيب القريب : «كلا» وهي كلمة ردع وزجر في الخطاب! ذلك أنه الأمر العظيم الذي يقوم عليه هذا الدين!
والأسلوب الذي تولى به القرآن هذا العتاب الإلهي أسلوب فريد ، لا تمكن ترجمته في لغة الكتابة البشرية. فلغة الكتابة لها قيود وأوضاع وتقاليد ، تغض من حرارة هذه الموحيات في صورتها الحية المباشرة. وينفرد الأسلوب القرآني بالقدرة على عرضها في هذه الصورة في لمسات سريعة. وفي عبارات متقطعة. وفي تعبيرات كأنها انفعالات ، ونبرات وسمات ولمحات حية!
(عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) .. بصيغة الحكاية عن أحد آخر غائب غير المخاطب! وفي هذا الأسلوب إيحاء بأن الأمر موضوع الحديث من الكراهة عند الله بحيث لا يحب ـ سبحانه ـ أن يواجه به نبيه وحبيبه. عطفا عليه ، ورحمة به ، وإكراما له عن المواجهة بهذا الأمر الكريه!
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
