يرتد السياق إلى المكذبين بهذه الساعة ، الذين يسألون الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عن موعدها. يرتد إليهم بإيقاع يزيد من روعة الساعة وهولها في الحس وضخامتها : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها؟ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها؟ إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها. إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها) .. والهاء الممدودة ذات الإيقاع الضخم الطويل ، تشارك في تشخيص الضخامة وتجسيم التهويل!
* * *
(وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً. وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً. وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً. فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً. فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً). قيل في تفسير هذه الكلمات : إنها الملائكة نازعات للأرواح نزعا شديدا. ناشطات منطلقات في حركاتها. سابحات في العوالم العليا سابقات للإيمان أو للطاعة لأمر ربها مدبرات ما يوكل من الأمور إليها ..
وقيل : إنها النجوم تنزع في مداراتها وتتحرك وتنشط منتقلة من منزل إلى منزل. وتسبح سبحا في فضاء الله وهي معلقة به. وتسبق سبقا في جريانها ودورانها. وتدبر من النتائج والظواهر ما وكله الله إليها مما يؤثر في حياة الأرض ومن عليها.
وقيل : النازعات والناشطات والسابحات والسابقات هي النجوم. والمدبرات هي الملائكة.
وقيل : النازعات والناشطات والسابحات هي النجوم. والسابقات والمدبرات هي الملائكة ..
وأيا ما كانت مدلولاتها فنحن نحس من الحياة في الجو القرآني أن إيرادها على هذا النحو ، ينشئ أولا وقبل كل شيء هزة في الحس ، وتوجسا في الشعور ، وتوفزا وتوقعا لشيء يهول ويروع. ومن ثم فهي تشارك في المطلع مشاركة قوية في إعداد الحس لتلقي ما يروع ويهول من أمر الراجفة والرادفة والطامة الكبرى في النهاية! وتمشيا مع هذا الإحساس نؤثر أن ندعها هكذا بدون زيادة في تفصيل مدلولاتها ومناقشتها ؛ لنعيش في ظلال القرآن بموجباته وإيحاءاته على طبيعتها. فهزة القلب وإيقاظه هدف في ذاته ، يتحراه الخطاب القرآني بوسائل شتى .. ثم إن لنا في عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أسوة. وقد قرأ سورة : (عَبَسَ وَتَوَلَّى) حتى جاء إلى قوله تعالى : (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) .. فقال : «قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ ثم استدرك قائلا : لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف! وما عليك ألا تعرف لفظا في كتاب الله تعالى؟!» ... وفي رواية أنه قال : كل هذا قد عرفنا فما الأبّ؟ ثم رفض عصا كانت بيده ـ أي كسرها غضبا على نفسه ـ وقال : «هذا لعمر الله التكلف! وما عليك يا بن أم عمر أن لا تدري ما الأب». ثم قال : «اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ، وما لا ، فدعوه» .. فهذه كلمات تنبعث عن الأدب أمام كلمات الله العظيمة. أدب العبد أمام كلمات الرب. التي قد يكون بقاؤها مغلفة هدفا في ذاته ، يؤدي غرضا بذاته.
* * *
هذا المطلع جاء في صيغة القسم ، على أمر تصوره الآيات التالية في السورة :
(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ. قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ. أَبْصارُها خاشِعَةٌ. يَقُولُونَ : أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ؟ أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً؟ قالُوا : تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ! .. فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) ..
والراجفة ورد أنها الأرض استنادا إلى قوله تعالى في سورة أخرى : (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ) .. والرادفة : ورد أنها السماء. أي أنها تردف الأرض وتتبعها في الانقلاب حيث تنشق وتتناثر كواكبها ..
كذلك ورد أن الراجفة هي الصيحة الأولى ، التي ترجف لها الأرض والجبال والأحياء جميعا ، ويصعق لها
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
