(جَزاءً وِفاقاً) .. يوافق ما أسلفوا وما قدموا .. (إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً) .. ولا يتوقعون مآبا .. (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً) .. وجرس اللفظ فيه شدة توحي بشدة التكذيب وشدة الإصرار عليه.
بينما كان الله يحصي عليهم كل شيء إحصاء دقيقا لا يفلت منه حرف : (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً) ..
هنا يجيء التأنيب الميئس من كل رجاء في تغيير أو تخفيف : (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً) ..
* * *
ثم يعرض المشهد المقابل : مشهد التقاة في النعيم. بعد مشهد الطغاة في الحميم :
(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً. حَدائِقَ وَأَعْناباً. وَكَواعِبَ أَتْراباً. وَكَأْساً دِهاقاً. لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً .. جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً) ..
فإذا كانت جهنم هناك مرصدا ومآبا للطاغين ، لا يفلتون منها ولا يتجاوزونها ، فإن المتقين ينتهون إلى مفازة ومنجاة ، تتمثل (حَدائِقَ وَأَعْناباً) ويخص الأعناب بالذكر والتعيين لأنها مما يعرفه المخاطبون .. (وَكَواعِبَ) وهن الفتيات الناهدات اللواتي استدارت ثديهن (أَتْراباً) متوافيات السن والجمال. (وَكَأْساً دِهاقاً) مترعة بالشراب.
وهي مناعم ظاهرها حسي ، لتقريبها للتصور البشري. أما حقيقة مذاقها والمتاع بها فلا يدركها أهل الأرض وهم مقيدون بمدارك الأرض وتصوراتها .. وإلى جوارها حالة يتذوقها الضمير ويدركها الشعور : (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً) .. فهي حياة مصونة من اللغو ومن التكذيب الذي يصاحبه الجدل ؛ فالحقيقة مكشوفة لا مجال فيها لجدل ولا تكذيب ؛ كما أنه لا مجال للغو الذي لا خير فيه .. وهي حالة من الرفعة والمتعة تليق بدار الخلود ..
(جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً) .. ونلمح هنا ظاهرة الأناقة في التعبير والموسيقى في التقسيم بين (جَزاءً) و (عَطاءً) .. كما نلمحها في الإيقاع المشدود في الفواصل كلها على وجه التقريب .. وهي الظاهرة الواضحة في الجزء كله إجمالا.
* * *
وتكملة لمشاهد اليوم الذي يتم فيه ذلك كله ، والذي يتساءل عنه المتسائلون ، ويختلف فيه المختلفون. يجيء المشهد الختامي في السورة ، حيث يقف جبريل «عليهالسلام» والملائكة صفا بين يدي الرحمن خاشعين. لا يتكلمون ـ إلا من أذن له الرحمن ـ في الموقف المهيب الجليل :
(رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً) ..
ذلك الجزاء الذي فصله في المقطع السابق : جزاء الطغاة وجزاء التقاة. هذا الجزاء (مِنْ رَبِّكَ) .. (رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ) .. فهي المناسبة المهيأة لهذه اللمسة ولهذه الحقيقة الكبيرة. حقيقة الربوبية الواحدة التي تشمل الإنسان. كما تشمل السماوات والأرض ، وتشمل الدنيا والآخرة ، وتجازي على الطغيان والتقوى ، وتنتهي إليها الآخرة والأولى .. ثم هو (الرَّحْمنِ) .. ومن رحمته ذلك الجزاء لهؤلاء وهؤلاء. حتى عذاب الطغاة ينبثق من رحمة الرحمن. ومن الرحمة أن يجد الشر جزاءه وألا يتساوى مع الخير في مصيره! ومع الرحمة والجلال : (لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً) .. في ذلك اليوم المهيب الرهيب : يوم يقف جبريل ـ
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
