ويعود بهم من هذه الجولة في أهوال يوم الفصل ، إلى جولة في مصارع الغابرين : الأولين والآخرين ..
(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ؟ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ؟ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!).
هكذا في ضربة واحدة تتكشف مصارع الأولين وهم حشود. وفي ضربة واحدة تتكشف مصارع الآخرين وهم حشود. وعلى مد البصر تتبدى المصارع والأشلاء. وأمامها ينطلق الوعيد ناطقا بسنة الله في الوجود : (كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ)! فهي السنة الماضية التي لا تحيد .. وبينما المجرمون يتوقعون مصرعا كمصارع الأولين والآخرين ، يجيء الدعاء بالهلاك ، ويجيء الوعيد بالثبور : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ..
* * *
ومن الجولة في المصارع والأشلاء ، إلى جولة في الإنشاء والإحياء ، مع التقدير والتدبير ، للصغير وللكبير : (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ؟ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ؟ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ؟ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ..
وهي رحلة مع النشأة الجنينية طويلة عجيبة ، يجملها هنا في لمسات معدودة. ماء مهين. يودع في قرار الرحم المكين. إلى قدر معلوم وأجل مرسوم. وأمام التقدير الواضح في تلك النشأة ومراحلها الدقيقة يجيء التعقيب الموحي بالحكمة العليا التي تتولى كل شيء بقدره في إحكام مبارك جميل : (فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) وأمام التقدير الذي لا يفلت منه شيء يجيء الوعيد المعهود : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ..
* * *
ثم جولة في هذه الأرض ، وتقدير الله فيها لحياة البشر ، وإيداعها الخصائص المسيرة لهذه الحياة :
(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً؟ أَحْياءً وَأَمْواتاً؟ وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ..
ألم نجعل الأرض كفاتا تحتضن بنيها أحياء وأمواتا. (وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ) ثابتات سامقات ، تتجمع على قممها السحب ، وتنحدر عنها مساقط الماء العذب. أفيكون هذا إلا عن قدرة وتقدير ، وحكمة وتدبير؟ أفبعد هذا يكذب المكذبون؟ : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!) ..
* * *
وعندئذ ـ بعد عرض تلك المشاهد ، وامتلاء الحس بالتأثرات التي تسكبها في المشاعر ـ ينتقل السياق فجأة إلى موقف الحساب والجزاء. فنسمع الأمر الرهيب للمجرمين المكذبين ، ليأخذوا طريقهم إلى العذاب الذي كانوا به يكذبون ، في تأنيب مرير وإيلام عسير :
(انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ. إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!) ..
اذهبوا طلقاء بعد الارتهان والاحتباس في يوم الفصل الطويل. ولكن إلى أين؟ إنه انطلاق خير منه الارتهان .. (انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) .. فها هو ذا أمامكم حاضر مشهود. (انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) .. إنه ظل لدخان جهنم تمتد ألسنته في ثلاث شعب. ولكنه ظل خير منه الوهج : (لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ) .. إنه ظل خانق حار لافح. وتسميته بالظل ليست إلا امتدادا للتهكم ، وتمنية بالظل تتكشف عن حر جهنم! انطلقوا. وإنكم لتعرفون إلى أين! وتعرفونها هذه التي تنطلقون إليها. فلا حاجة إلى ذكر اسمها .. (إِنَّها
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
