وهي كذلك تملأ من عين جارية تسمى سلسبيلا ، لشدة عذوبتها واستساغتها لدى الشاربين!
وزيادة في المتاع فإن الذين يطوفون بهذه الأواني والأكواب بالشراب هم غلمان صباح الوجوه ، لا يفعل فيهم الزمن ، ولا تدركهم السن ؛ فهم مخلدون في سن الصباحة والصبا والوضاءة. وهم هنا وهناك كاللؤلؤ المنثور :
(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ، إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً) ..
ثم يجمل السياق خطوط المنظر ، ويلقي عليه نظرة كاملة تلخص وقعه في القلب والنظر :
(وَإِذا رَأَيْتَ ـ ثَمَّ ـ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً) ..
نعيما وملكا كبيرا. هو الذي يعيش فيه الأبرار المقربون عباد الله هؤلاء ، على وجه الإجمال والعموم!
ثم يخصص مظهرا من مظاهر النعيم والملك الكبير ؛ كأنه تعليل لهذا الوصف وتفسير :
(عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ، وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً) ..
والسندس الحرير الرقيق ، والإستبرق الحرير السميك المبطن .. وهم في هذه الزينة وهذا المتاع ، يتلقونه كله من (رَبُّهُمْ) فهو عطاء كريم من معط كريم. وهذه تضاف إلى قيمة ذلك النعيم!
ثم يتلقون عليه الود والتكريم :
(إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً) ..
يتلقون هذا النطق من الملأ الأعلى. وهو يعدل هذه المناعم كلها ، ويمنحها قيمة أخرى فوق قيمتها ..
وهكذا ينتهي ذلك العرض المفصل والهتاف الموحي للقلوب ، الهتاف إلى ذلك النعيم الطيب والفرار من السلاسل والأغلال والسعير .. وهما طريقان. طريق مؤد إلى الجنة هذه وطريق مؤد إلى السعير!
* * *
وبعد انتهاء هذا الهتاف إلى الجنة ونعيمها الهنيء الرغيد ، يعالج حالة المشركين المصرين على العناد والتكذيب ، الذين لا يدركون حقيقة الدعوة ، فيساومون عليها الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لعله يكف عنها ، أو عما يؤذيهم منها. وبين المساومة للنبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وفتنة المؤمنين به وإيذائهم ، والصد عن سبيل الله ، والإعراض عن الخير والجنة والنعيم .. بين هذا كله يجيء المقطع الأخير في السورة يعالج هذا الموقف بطريقة القرآن الكريم :
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) ..
وفي هذه الآيات الأربع تكمن حقيقة كبيرة من حقائق الدعوة الإيمانية. حقيقة ينبغي أن يعيش فيها الدعاة إلى الله طويلا ، وأن يتعمقوها تعمقا كاملا ، وأن ينظروا بتدبر في مدلولاتها الواقعية والنفسية والإيمانية الكبيرة.
لقد كان رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يواجه المشركين بالدعوة إلى الله وحده. وهو لم يكن يواجه في نفوسهم مجرد عقيدة. ولو كان الأمر كذلك لكان أيسر كثيرا. فإن عقيدة الشرك المهلهلة التي كانوا عليها لم تكن من القوة والثبات بحيث يصمدون بها هكذا لعقيدة الإسلام القوية الواضحة البسيطة. إنما كانت الملابسات التي تحيط بالعقيدة وبالموقف هي التي تقود إلى تلك المعارضة العنيدة ، التي شهدت بها الروايات التاريخية ، وحكاها القرآن في مواضع منه شتى .. كانت المكانة الاجتماعية ، والاعتزاز بالقيم السائدة في البيئة ، وما يتلبس
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
