صلىاللهعليهوسلم ـ على إعطائه النبوة.
وهنا يردعه ردعا عنيفا عن هذا الطمع الذي لم يقدم حسنة ولا طاعة ولا شكرا لله يرجو بسببه المزيد :
(كَلَّا!) ، وهي كلمة ردع وتبكيت ـ (إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً) .. فعاند دلائل الحق وموحيات الإيمان. ووقف في وجه الدعوة ، وحارب رسولها ، وصد عنها نفسه وغيره ، وأطلق حواليها الأضاليل.
ويعقب على الردع بالوعيد الذي يبدل اليسر عسرا ، والتمهيد مشقة!
(سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً) ..
وهو تعبير مصور لحركة المشقة. فالتصعيد في الطريق هو أشق السير وأشده إرهاقا. فإذا كان دفعا من غير إرادة من المصعد كان أكثر مشقة وأعظم إرهاقا. وهو في الوقت ذاته تعبير عن حقيقة. فالذي ينحرف عن طريق الإيمان السهل الميسر الودود ، يندبّ في طريق وعر شاق مبتوت ؛ ويقطع الحياة في قلق وشدة وكربة وضيق ، كأنما يصعد في السماء ، أو يصعد في وعر صلد لا ريّ فيه ولا زاد ، ولا راحة ولا أمل في نهاية الطريق! ثم يرسم تلك الصورة المبدعة المثيرة للسخرية والرجل يكد ذهنه! ويعصر أعصابه! ويقبض جبينه! وتكلح ملامحه وقسماته .. كل ذلك ليجد عيبا يعيب به هذا القرآن ، وليجد قولا يقوله فيه :
(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ! كَيْفَ قَدَّرَ؟ ثُمَّ قُتِلَ! كَيْفَ قَدَّرَ؟ ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقالَ : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) ..
لمحة لمحة. وخطرة خطرة. وحركة حركة. يرسمها التعبير ، كما لو كانت ريشة تصور ، لا كلمات تعبر ، بل كما لو كانت فيلما متحركا يلتقط المشهد لمحة لمحة!!!
لقطة وهو يفكر ويدبر ومعها دعوة هي قضاء (فَقُتِلَ!) واستنكار كله استهزاء (كَيْفَ قَدَّرَ؟) ثم تكرار الدعوة والاستنكار لزيادة الإيحاء بالتكرار.
ولقطة وهو ينظر هكذا وهكذا في جد مصطنع متكلف يوحي بالسخرية منه والاستهزاء.
ولقطة وهو يقطب حاجبيه عابسا ، ويقبض ملامح وجهه باسرا ، ليستجمع فكره في هيئة مضحكة!
وبعد هذا المخاض كله؟ وهذا الحزق كله؟ لا يفتح عليه بشيء .. إنما يدبر عن النور ويستكبر عن الحق .. فيقول : (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ)!
إنها لمحات حية يثبتها التعبير القرآني في المخيلة أقوى مما تثبتها الريشة في اللوحة ؛ وأجمل مما يعرضها الفيلم المتحرك على الأنظار! وإنها لتدع صاحبها سخرية الساخرين أبد الدهر ، وتثبت صورته الزرية في صلب الوجود ، تتملاها الأجيال بعد الأجيال!
فإذا انتهى عرض هذه اللمحات الحية الشاخصة لهذا المخلوق المضحك ، عقب عليها بالوعيد المفزع :
(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) .. وزاد هذا الوعيد تهويلا بتجهيل سقر : (وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ؟) .. إنها شيء أعظم وأهول من الإدراك! ثم عقب على التجهيل بشيء من صفتها أشد هولا : (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ) .. فهي تكنس كنسا ، وتبلع بلعا ، وتمحو محوا ، فلا يقف لها شيء ، ولا يبقى وراءها شيء ، ولا يفضل منها شيء!
ثم هي تتعرض للبشر وتلوح : (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) .. كما قال في سورة المعارج : (تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى) .. فهي تدل على نفسها ، وكأنما تقصد إثارة الفزع في النفوس ، بمنظرها المخيف!ص
ويقوم عليها حراس عدتهم : (تِسْعَةَ عَشَرَ) .. لا ندري أهم أفراد من الملائكة الغلاظ الشداد ، أم صفوف
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
