لاهثا أحيانا! وبخاصة عند تصوير مشهد هذا المكذب وهو يفكر ويقدر ويعبس ويبسر .. وتصوير مشهد سقر. لا تبقي ولا تذر. لواحة للبشر .. ومشهد فرارهم كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة!
وهذا التنوع في الإيقاع والقافية بتنوع المشاهد والظلال يجعل للسورة مذاقا خاصا ؛ ولا سيما عند رد بعض القوافي ورجعها بعد انتهائها كقافية الراء الساكنة : المدثر. أنذر. فكبر .. وعودتها بعد فترة : قدر. بسر. استكبر. سقر ... وكذلك الانتقال من قافية إلى قافية في الفقرة الواحدة مفاجأة ولكن لهدف خاص. عند قوله : (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ؟ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) .. ففي الآية الأولى كان يسأل ويستنكر. وفي الثانية والثالثة كان يصور ويسخر! وهكذا ...
والآن نأخذ في الاستعراض التفصيلي للسورة :
* * *
(يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) ..
إنه النداء العلوي الجليل ، للأمر العظيم الثقيل .. نذارة هذه البشرية وإيقاظها ، وتخليصها من الشر في الدنيا ، ومن النار في الآخرة ؛ وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان .. وهو واجب ثقيل شاق ، حين يناط بفرد من البشر ـ مهما يكن نبيا رسولا ـ فالبشرية من الضلال والعصيان والتمرد والعتو والعناد والإصرار والالتواء والتفصي من هذا الأمر ، بحيث تجعل من الدعوة أصعب وأثقل ما يكلفه إنسان من المهام في هذا الوجود!
(يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ) .. والإنذار هو أظهر ما في الرسالة ، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصد للغافلين السادرين في الضلال وهم لا يشعرون. وفيه تتجلى رحمة الله بالعباد ، وهم لا ينقصون في ملكه شيئا حين يضلون ، ولا يزيدون في ملكه شيئا حين يهتدون. غير أن رحمته اقتضت أن يمنحهم كل هذه العناية ليخلصوا من العذاب الأليم في الآخرة ، ومن الشر الموبق في الدنيا. وأن يدعوهم رسله ليغفر لهم ويدخلهم جنته من فضله!
ثم يوجه الله رسوله في خاصة نفسه بعد إذ كلفه نذارة غيره :
يوجهه إلى تكبير ربه : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) .. ربك وحده .. فهو وحده الكبير ، الذي يستحق التكبير. وهو توجيه يقرر جانبا من التصور الإيماني لمعنى الألوهية ، ومعنى التوحيد.
إن كل أحد ، وكل شيء ، وكل قيمة ، وكل حقيقة .. صغير .. والله وحده هو الكبير .. وتتوارى الأجرام والأحجام ، والقوى والقيم ، والأحداث والأحوال ، والمعاني والأشكال ؛ وتنمحي في ظلال الجلال والكمال ، لله الواحد الكبير المتعال.
وهو توجيه للرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ليواجه نذارة البشرية ، ومتاعبها وأهوالها وأثقالها ، بهذا التصور ، وبهذا الشعور ، فيستصغر كل كيد ، وكل قوة ، وكل عقبة ، وهو يستشعر أن ربه الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة ، هو الكبير .. ومشاق الدعوة وأهوالها في حاجة دائمة إلى استحضار هذا التصور وهذا الشعور.
ويوجهه إلى التطهر : (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) .. وطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخلق والعمل .. طهارة الذات التي تحتويها الثياب ، وكل ما يلم بها أو يمسها .. والطهارة هي الحالة المناسبة للتلقي من الملأ الأعلى. كما أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة. وهي بعد هذا وذلك ضرورية لملابسة الإنذار
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
