البشرية ـ البشرية الضالة ، ليردها إلى ربها ، ويصبر على أذاها ، ويجاهد في ضمائرها ؛ وهو متجرد من كل ما في الحياة من عرض يغري ، ولذاذة تلهي ، وراحة ينعم بها الخليون. ونوم يلتذه الفارغون!
والآن نستعرض السورة في نصها القرآني الجميل.
* * *
(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً. إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً. إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً ، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) ..
(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ .. قُمِ ..) .. إنها دعوة السماء ، وصوت الكبير المتعال .. قم .. قم للأمر العظيم الذي ينتظرك ، والعبء الثقيل المهيأ لك. قم للجهد والنصب والكد والتعب. قم فقد مضى وقت النوم والراحة .. قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد ..
وإنها لكلمة عظيمة رهيبة تنتزعه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من دفء الفراش ، في البيت الهادئ والحضن الدافئ. لتدفع به في الخضم ، بين الزعازع والأنواء ، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء.
إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا ، ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا. فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير .. فماله والنوم؟ وماله والراحة؟ وماله والفراش الدافئ ، والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح؟! ولقد عرف رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حقيقة الأمر وقدّره ، فقال لخديجة ـ رضي الله عنها ـ وهي تدعوه أن يطمئن وينام : «مضى عهد النوم يا خديجة»! أجل مضى عهد النوم وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الطويل الشاق!
(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) ..
إنه الإعداد للمهمة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة .. قيام الليل. أكثره أكثر من نصف الليل ودون ثلثيه. وأقله ثلث الليل .. قيامه للصلاة وترتيل القرآن. وهو مد الصوت به وتجويده. بلا تغن ولا تطر ولا تخلع في التنغيم.
وقد صح عن وتر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بالليل أنه لم يتجاوز إحدى عشرة ركعة. ولكنه كان يقضي في هذه الركعات ثلثي الليل إلا قليلا ، يرتل فيه القرآن ترتيلا.
روى الإمام أحمد في مسنده قال : حدثنا يحيى بن سعيد ـ هو ابن أبي عروبة ـ عن قتادة ، عن زرارة ابن أوفى ، عن سعيد بن هشام .. أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال : ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ؟ قال : نعم. قال : ائت عائشة فسلها ، ثم ارجع إلي فأخبرني بردها عليك ... ثم يقول سعيد بن هشام : قلت : يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قالت : ألست تقرأ القرآن؟ قلت : بلى. قالت : فإن خلق رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ كان القرآن. فهممت أن أقوم ، ثم بدا لي قيام رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قلت : يا أم المؤمنين ، أنبئيني عن قيام رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قالت : ألست تقرأ هذه السورة : (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)؟ قلت : بلى. قالت : فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة ؛ فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم. وأمسك الله ختامها في السماء اثني عشر شهرا. ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة ، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة .. فهممت أن أقوم ، ثم بدا لي وتر رسول الله ـ صلى الله
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
