السلام إلى النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو في غار حراء .. وكان ما قصه رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من أمره معه فيما رواه ابن إسحق عن وهب بن كيسان ، عن عبيد ، قال :
«فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال : اقرأ. قال : قلت : ما أقرأ (وفي الروايات : ما أنا بقارئ) قال : فغتني به (أي ضغطني) حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال : اقرأ. قلت : ما أقرأ. قال : فغتني حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال : اقرأ. قلت : ما أقرأ : قال : فغتني حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال : اقرأ. قال : قلت : ماذا أقرأ؟ قال : ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي. فقال : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) .. قال : فقرأتها. ثم انتهى فانصرف عني. وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا. قال : فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال : فرفعت رأسي إلى السماء أنظر. فإذا جبريل في صورة رجل ، صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال : فوقفت أنظر إليه. فما أتقدم وما أتأخر. وجعلت أحول وجهي عنه في آفاق السماء. قال : فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك. فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي ، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا أعلى مكة ، ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك. ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي ، حتى أتيت خديجة ، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها (أي ملتصقا بها مائلا إليها) فقالت : يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعثت في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ. ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت : «أبشر يا بن عم واثبت. فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة».
ثم فتر الوحي مدة عن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى أن كان بالجبل مرة أخرى فنظر فإذا جبريل ، فأدركته منه رجفة ، حتى جثى وهوى إلى الأرض ، وانطلق إلى أهله يرجف ، يقول : «زملوني. دثروني» .. ففعلوا. وظل يرتجف مما به من الروع. وإذا جبريل يناديه : (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) .. (وقيل : يا أيها المدثر) والله أعلم أيتهما كانت.
وسواء صحت الرواية الأولى عن سبب نزول شطر السورة. أو صحت هذه الرواية الثانية عن سبب نزول مطلعها ، فقد علم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أنه لم يعد هناك نوم! وأن هنالك تكليفا ثقيلا ، وجهادا طويلا ، وأنه الصحو والكد والجهد منذ ذلك النداء الذي يلاحقه ولا يدعه ينام!
وقيل لرسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «قم» .. فقام. وظل قائما بعدها أكثر من عشرين عاما! لم يسترح. ولم يسكن. ولم يعش لنفسه ولا لأهله. قام وظل قائما على دعوة الله. يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به. عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض. عبء البشرية كلها ، وعبء العقيدة كلها ، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى.
حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها ، المثقل بأثقال الأرض وجواذبها ، المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها .. حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية بدأ معركة أخرى في ميدان آخر .. بل معارك متلاحقة .. مع أعداء دعوة الله المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها ، الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها ، قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء ، وتظلل مساحات أخرى .. ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
