(إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ. إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ) ..
وتختم السورة بما يشبه التهديد للمسلمين إن هم بخلوا بإنفاق المال ، وبالبذل في القتال : (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ، فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ، وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ) ..
* * *
إنها معركة مستمرة من بدء السورة إلى ختامها ؛ يظللها جو القتال ، وتتسم بطابعه في كل فقراتها.
وجرس الفاصلة وإيقاعها منذ البدء كأنه القذائف الثقيلة : «أَعْمالَهُمْ». «بالَهُمْ». «أَمْثالَهُمْ». «أَهْواءَهُمْ». «أَمْعاءَهُمْ ..» وحتى حين تخف فإنها تشبه تلويح السيوف في الهواء : «أَوْزارَها». «أَمْثالُها». «أَقْفالُها ...».
وهناك شدة في الصور كالشدة في جرس الألفاظ المعبرة عنها .. فالقتال أو القتل يقول عنه : (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ) .. والتقتيل والأسر يصوره بشدة : (حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ) .. والدعاء على الكافرين يجيء في لفظ قاس : (فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) .. وهلاك الغابرين يرسم في صورة مدوية ظلا ولفظا : (دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها) .. وصورة العذاب في النار تجيء في هذا المشهد : (وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ) .. وحالة الجبن والفزع عند المنافقين تجيء في مشهد كذلك عنيف : (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ!) .. حتى تحذير المؤمنين من التولي يجيء في تهديد نهائي حاسم : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ) ..
وهكذا يتناسق الموضوع والصور والظلال والإيقاع في سورة القتال ..
* * *
(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ـ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ـ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ. ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ ؛ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ. كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ) ..
افتتاح يمثل الهجوم بلا مقدمة ولا تمهيد! وإضلال الأعمال الذي يواجه به الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله. سواء صدوا هم أم صدوا وصدوا غيرهم ـ يفيد ضياع هذه الأعمال وبطلانها. ولكن هذا المعنى يتمثل في حركة. فإذا بنا نرى هذه الأعمال شاردة ضالة ، ونلمح عاقبة هذا الشرود والضلال ، فإذا هي الهلاك والضياع. وهي حركة تخلع ظل الحياة على الأعمال ، فكأنما هي شخوص حية أضلت وأهلكت. وتعمق المعنى وتلقي ظلاله. ضلال معركة تشرد فيها الأعمال ، عن القوم ، والقوم عن الأعمال حتى تنتهي إلى الضلال والهلاك!
وهذه الأعمال التي أضلت ربما كان المقصود منها بصفة خاصة الأعمال التي يأملون من ورائها الخير. والتي يبدو على ظاهرها الصلاح. فلا قيمة لعمل صالح من غير إيمان. فهذا الصلاح شكلي لا يعبر عن حقيقة وراءه. والعبرة بالباعث الذي يصدر عنه العمل لا بشكل العمل. وقد يكون الباعث طيبا. ولكنه حين لا يقوم على الإيمان يكون فلتة عارضة أو نزوة طارئة. لا يتصل بمنهج ثابت واضح في الضمير ، متصل بخط سير الحياة العريض ، ولا بناموس الوجود الأصيل. فلا بد من الإيمان ليشد النفس إلى أصل تصدر عنه في كل اتجاهاتها ، وتتأثر به في كل انفعالاتها. وحينئذ يكون للعمل الصالح معناه. ويكون له هدفه ويكون له اطراده وتكون له آثاره وفق المنهج الإلهي الذي يربط أجزاء هذا الكون كله في الناموس ؛ ويجعل لكل عمل ولكل حركة وظيفة
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
