طرفيه : مبدئه ونهايته. وهو ـ سبحانه ـ غير محدود!
واللمسة الرابعة في هذا المقطع هي تصوير العلم الإلهي المحيط بكل شيء ، المطلع على سر الإنسان وعلانيته ، وعلى ما هو أخفى من السر ، من ذوات الصدور الملازمة للصدور :
(يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ..
واستقرار هذه الحقيقة في القلب المؤمن يفيده المعرفة بربه ، فيعرفه بحقيقته. ويمنحه جانبا من التصور الإيماني الكوني. ويؤثر في مشاعره واتجاهاته ؛ فيحيا حياة الشاعر بأنه مكشوف كله لعين الله. فليس له سر يخفى عليه ، وليس له نية غائرة في الضمير لا يراها وهو العليم بذات الصدور.
وإن آيات ثلاثا كهذه لكافية وحدها ليعيش بها الإنسان مدركا لحقيقة وجوده ، ووجود الكون كله ، وصلته بخالقه ، وأدبه مع ربه ، وخشيته وتقواه ، في كل حركة وكل اتجاه ..
* * *
والمقطع الثاني في السورة يذكر بمصير الغابرين من المكذبين بالرسل والبينات ، المعترضين على بشرية الرسل. كما كان المشركون يكذبون ويعترضون على بشرية الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ويكفرون بما جاءهم به من البينات :
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ؟ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، فَقالُوا : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا؟ فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا ، وَاسْتَغْنَى اللهُ ، وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) ..
والخطاب هنا للمشركين ـ غالبا ـ وهو تذكير لهم بعاقبة المكذبين وتحذير لهم من مثل هذه العاقبة. والاستفهام قد يكون لإنكار حالهم بعد ما جاءهم من نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم. وقد يكون للفت أنظارهم إلى هذا النبأ الذي يقصه عليهم. وهم كانوا يعرفون ويتناقلون أنباء بعض الهلكى من الغابرين. كعاد وثمود وقرى لوط. وهم يمرون عليها في شبه الجزيرة ، في رحلاتهم للشمال والجنوب.
ويضيف القرآن إلى المعروف من مآلهم في الدنيا ما ينتظرهم هنالك في الآخرة : (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) .. ثم يكشف عن السبب الذي استحقوا به ما نالهم وما ينتظرهم : (ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا؟) .. وهو الاعتراض ذاته الذي يعترضه المشركون على الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو اعتراض فج ناشئ عن الجهل بطبيعة الرسالة ، وكونها منهجا إلهيا للبشر ، فلا بد أن تتمثل واقعيا في بشر ، يحيا بها ، ويكون بشخصه ترجمانا لها ؛ فيصوغ الآخرون أنفسهم على مثاله بقدر ما يستطيعون. ولا ينعزل هو عنهم بجنسه ، فيتعذر أن يجدوا للرسالة صورة واقعية يحاولون تحقيقها في ذوات أنفسهم ، وفي حياتهم ومعاشهم. وناشئ كذلك من الجهل بطبيعة الإنسان ذاته ورفعة حقيقته بحيث يتلقى رسالة السماء ويبلغها ، بدون حاجة إلى أن يحملها إلى الناس ملك كما كانوا يقترحون. ففي الإنسان تلك النفخة من روح الله ، وهي تهيئه لاستقبال الرسالة من الله ، وأدائها كاملة كما تلقاها من الملأ الأعلى. وهي كرامة للجنس البشري كله لا يرفضها إلا جاهل بقدر هذا الإنسان عند الله ، حين يحقق في ذاته حقيقة النفخة من روح الله! وناشئ في النهاية من التعنت والاستكبار الكاذب عن اتّباع رسول من البشر. كأن في هذا غضا من قيمة هؤلاء الجهال المتكبرين! فجائز في عرفهم أن يتبعوا رسولا من خلق آخر غير جنسهم بلا غضاضة. أما أن يتبعوا واحدا منهم فهي في نظرهم حطة وقلة قيمة!
ومن ثم كفروا وتولوا معرضين عن الرسل وما معهم من البينات ، ووقفت في صدورهم هذه الكبرياء وذلك
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
