لحظة أن يكون أمرهم قد افتضح وسترهم قد انكشف. والتعبير يرسمهم أبدا متلفتين حواليهم ؛ يتوجسون من كل حركة ومن كل صوت ومن كل هاتف ، يحسبونه يطلبهم ، وقد عرف حقيقة أمرهم!!
وبينما هم خشب مسندة ملطوعة إذا كان الأمر أمر فقه وروح وشعور بإيقاعات الإيمان .. إذا هم كالقصبة المرتجفة في مهب الريح إذا كان الأمر أمر خوف على الأنفس والأموال!
وهم بهذا وذاك يمثلون العدو الأول للرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وللمسلمين :
(هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) ..
هم العدو الحقيقي. العدو الكامن داخل المعسكر ، المختبئ في الصف. وهو أخطر من العدو الخارجي الصريح. (فَاحْذَرْهُمْ) .. ولكن الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لم يؤمر هنا بقتلهم ، فأخذهم بخطة أخرى فيها حكمة وسعة وثقة بالنجاة من كيدهم (كما سيجيء نموذج من هذه المعاملة بعد قليل) ..
(قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) ..
فالله مقاتلهم حيثما صرفوا وأنى توجهوا. والدعاء من الله حكم بمدلول هذا الدعاء ، وقضاء نافذ لا راد له ولا معقب عليه .. وهذا هو الذي كان في نهاية المطاف.
* * *
ويستطرد السياق في وصف تصرفاتهم الدالة على دخل قلوبهم ، وتبييتهم للرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وكذبهم عند المواجهة .. وهي مجموعة من الصفات اشتهر بها المنافقون :
«وإذا قيل لهم : تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ، ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون. سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، لن يغفر الله لهم ، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين. هم الذين يقولون : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا. ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون. يقولون : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. ولكن المنافقين لا يعلمون» ..
وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول :
وفصل ابن إسحاق هذا في حديثه عن غزوة بني المصطلق سنة ست على المريسيع .. ماء لهم .. فبينا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ على ذلك الماء ـ بعد الغزوة ـ وردت واردة الناس ، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له : جهجاه بن مسعود يقود فرسه ، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عون ابن الخزرج على الماء ، فاقتتلا ، فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار. وصرخ جهجاه. يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أبي بن سلول ، وعنده رهط من قومه ، فيهم زيد بن أرقم غلام حدث. فقال : أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا. والله ما أعدّنا وجلابيب قريش (١) إلا كما قال الأول : سمن كلبك يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال لهم : هذا ما فعلتم بأنفسكم : أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم. فسمع ذلك زيد بن أرقم. فمشى به إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وذلك عند فراغ رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من عدوه ، فأخبره الخبر ، وعنده عمر بن الخطاب. فقال :
__________________
(١) الجلابيب : اسم كان يلقب به المنافقون أصحاب رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ المهاجرين.
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
