وتحققت هذه الدعوة ـ وفق قدر الله وتدبيره ـ بنصها الذي تعيده السورة هنا لتذكر بحكاية ألفاظ إبراهيم .. (رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) .. كما قال إبراهيم! حتى صفة الله في دعاء إبراهيم : (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هي ذاتها التي تعقب على التذكير بمنة الله وفضله هنا : (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
وقد سئل رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عن نفسه فقال : «دعوة أبي إبراهيم. وبشرى عيسى. ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصارى من أرض الشام» (١).
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ..
والمنة ظاهرة في اختيار الله للأميين ليجعلهم أهل الكتاب المبين ؛ وليرسل فيهم رسولا منهم ، يرتفعون باختياره منهم إلى مقام كريم ؛ ويخرجهم من أميتهم أو من أمميتهم بتلاوة آيات الله عليهم ، وتغيير ما بهم ، وتمييزهم على العالمين ..
(وَيُزَكِّيهِمْ) .. وإنها لتزكية وإنه لتطهير ذلك الذي كان يأخذهم به الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ تطهير للضمير والشعور ، وتطهير للعمل والسلوك ، وتطهير للحياة الزوجية ، وتطهير للحياة الاجتماعية. تطهير ترتفع به النفوس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد ؛ ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح ، ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح. وترتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني. ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال .. إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة ولحياة السريرة وحياة الواقع. تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه ، ويتعامل مع الملأ الأعلى ؛ ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم (٢).
(وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) .. يعلمهم الكتاب فيصبحون أهل كتاب. ويعلمهم الحكمة فيدركون حقائق الأمور ، ويحسنون التقدير ، وتلهم أرواحهم صواب الحكم وصواب العمل وهو خير كثير.
(وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) .. ضلال الجاهلية التي وصفها جعفر بن أبي طالب لنجاشي الحبشة حين بعثت قريش إليه عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ليكرّهاه في المهاجرين من المسلمين ، ويشوها موقفهم عنده ، فيخرجهم من ضيافته وجيرته .. فقال جعفر :
«أيها الملك. كنا قوما أهل جاهلية. نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف .. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فدعانا إلى الله لنوحده ولنعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ؛ وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء. ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات. وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام» ..
__________________
(١) من رواية ابن إسحاق .. حدثني ثور بن زيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قال ابن كثير : وهذا إسناد جيد ، وروى له شواهد من وجوه أخر ..
(٢) يراجع بتوسع كتاب : «الإنسان بين المادية والإسلام» لمحمد قطب «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
