وكلمة الله هي التعبير عن إرادته. وإرادته الظاهرة لنا ـ نحن البشر ـ هي التي تتفق مع الناموس الذي يسير عليه الكون كله. الكون الذي يسبح بحمد ربه. ومنهج الله في صورته الأخيرة التي جاء بها الإسلام هو الذي يتناسق مع ذلك الناموس ؛ ويجعل الكون كله ـ والناس من ضمنه ـ يحكمون بشريعة الله. لا بشريعة يضعها سواه.
ولم يكن بد أن يقاومه أفراد ، وأن تقاومه طبقات ، وأن تقاومه دول. ولم يكن بد كذلك أن يمضي الإسلام في وجه هذه المقاومة ؛ ولم يكن بد أن يكتب الجهاد على المسلمين لنصرة هذا المنهج ، وتحقيق كلمة الله في الأرض. ولهذا أحب الله ـ سبحانه ـ الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. (١).
ونقف ثالثا أمام الحالة التي يحب الله للمجاهدين أن يقاتلوا وهم عليها : (صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) .. فهو تكليف فردي في ذاته ، ولكنه فردي في صورة جماعية. في جماعة ذات نظام. ذلك أن الذين يواجهون الإسلام يواجهونه بقوى جماعية ، ويؤلبون عليه تجمعات ضخمة ؛ فلا بد لجنود الإسلام أن يواجهوا أعداءه صفا. صفا سويا منتظما ، وصفا متينا راسخا ذلك إلى أن طبيعة هذا الدين حين يغلب ويهيمن أن يهيمن على جماعة ، وأن ينشئ مجتمعا متماسكا .. متناسقا. فصورة الفرد المنعزل الذي يعبد وحده ، ويجاهد وحده ، ويعيش وحده ، صورة بعيدة عن طبيعة هذا الدين ، وعن مقتضياته في حالة الجهاد ، وفي حالة الهيمنة بعد ذلك على الحياة.
وهذه الصورة التي يحبها الله للمؤمنين ترسم لهم طبيعة دينهم ، وتوضح لهم معالم الطريق ، وتكشف لهم عن طبيعة التضامن الوثيق الذي يرسمه التعبير القرآني المبدع : (صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) .. بنيان تتعاون لبناته وتتضام وتتماسك ، وتؤدي كل لبنة دورها ، وتسد ثغرتها ، لأن البنيان كله ينهار إذا تخلت منه لبنة عن مكانها. تقدمت أو تأخرت سواء. وإذا تخلت منه لبنة عن أن تمسك بأختها تحتها أو فوقها أو على جانبيها سواء .. إنه التعبير المصور للحقيقة لا لمجرد التشبيه العام. التعبير المصور لطبيعة الجماعة ، ولطبيعة ارتباطات الأفراد في الجماعة. ارتباط الشعور ، وارتباط الحركة ، داخل النظام المرسوم ، المتجه إلى هدف مرسوم.
* * *
بعدئذ يذكر قصة هذا المنهج الإلهي ومراحلها في الرسالات قبل الإسلام.
(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ : يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ؟ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ، وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ).
(وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ : يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) ..
وإيذاء بني إسرائيل لموسى ـ وهو منقذهم من فرعون وملئه ، ورسولهم وقائدهم ومعلمهم ـ إيذاء متطاول متعدد الألوان ، وجهاده في تقويم اعوجاجهم جهاد مضن عسير شاق. ويذكر القرآن في قصص بني إسرائيل صورا شتى من ذلك الإيذاء ومن هذا العناء.
كانوا يتسخطون على موسى وهو يحاول مع فرعون إنقاذهم ، ويتعرض لبطشه وجبروته وهم آمنون بذلتهم له! فكانوا يقولون له لائمين متبرمين : (أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا)! كأنهم لا يرون في رسالته
__________________
(١) يراجع فصل سلام العالم في كتاب : السلام العالمي والإسلام. «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
