وآكد في تقرير هذه الحقيقة. ثم يجيء التعقيب الشامل : (إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .. فتضم الإحياء وغيره في نطاق هذه القدرة الشاملة لكل شيء كان أو يكون.
* * *
وعند ذكر الإحياء يرتسم مشهد الحساب كأنه شاخص للعيون :
(وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ. أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟ قالُوا : بَلى وَرَبِّنا. قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) ..
يبدأ المشهد حكاية أو مقدمة لحكاية : (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) ..
وبينما السامع في انتظار وصف ما سيكون ، إذا المشهد يشخص بذاته. وإذا الحوار قائم في المشهد المعروض :
(أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟) ..
ويا له من سؤال؟ بل يا لها من قارعة للذين كانوا يكذبون ويستهزئون ويستعجلون ، واليوم تتلوى أعناقهم على الحق الذي كانوا ينكرون.
والجواب في خزي وفي مذلة وفي ارتياع :
«بلى. وربنا» ..
هكذا هم يقسمون : (وَرَبِّنا) .. ربهم الذي كانوا لا يستجيبون لداعيه ، ولا يستمعون لنبيه ولا يعترفون له بربوبية. ثم هم اليوم يقسمون به على الحق الذي أنكروه!
عندئذ يبلغ السؤال غاية من الترذيل والتقريع ، ويقضى الأمر ، وينتهي الحوار :
(قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) ..
«كلمة ورد غطاها» .. كما يقال! الجريمة ظاهرة. الجاني معترف. فإلى الجحيم!
وسرعة المشهد هنا مقصودة. فالمواجهة حاسمة ، ولا مجال لأخذ ولا رد. لقد كانوا ينكرون.
فالآن يعترفون. والآن يذوقون!
* * *
وعلى هذا المشهد الحاسم في مصير الذين كفروا ، وعلى مشهد الإيمان من أبناء عالم آخر. وفي ختام السورة التي عرضت مقولات الكافرين عن الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وعن القرآن الكريم .. يجيء الإيقاع الأخير. توجيها للرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يصبر عليهم ، ولا يستعجل لهم ، فقد رأى ما ينتظرهم ، وهو منهم قريب :
(فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ، وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ. بَلاغٌ. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) ..
وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم ؛ وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال ، والمعاني والإيحاءات ، والقضايا والقيم.
(فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) ..
توجيه يقال لمحمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو الذي احتمل ما احتمل ، وعانى من قومه ما عانى. وهو
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
