ولم يجئ الإسلام لينعزل هذه العزلة. إنما جاء ليحكم حياة البشرية ويصرفها. ويهيمن على كل نشاط فردي وجماعي في كل اتجاه. والبشرية لا تعيش أفرادا إنما تعيش جماعات وأمما. والإسلام جاء ليحكمها وهي كذلك. وهو مبني على أساس أن البشر يعيشون هكذا. ومن ثم فإن آدابه وقواعده ونظمه كلها مصوغة على هذا الأساس. وحين يوجه اهتمامه إلى ضمير الفرد فهو يصوغ هذا الضمير على أساس أنه يعيش في جماعة. وهو والجماعة التي يعيشون فيها يتجهون إلى الله ، ويقوم ـ فيها ـ على أمانة دينه في الأرض ، ومنهجه في الحياة ، ونظامه في الناس.
ومنذ اليوم الأول للدعوة قام مجتمع إسلامي ـ أو جماعة مسلمة ـ ذات قيادة مطاعة هي قيادة مطاعة هي قيادة رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وذات التزامات جماعية بين أفرادها ، وذات كيان يميزها عن سائر الجماعات حولها ، وذات آداب تتعلق بضمير الإنسان مراعى فيها ـ في الوقت ذاته ـ حياة هذه الجماعة .. وذلك كله قبل أن تقوم الدولة المسلمة في المدينة. بل إن قيام تلك الجماعة كان هو وسيلة إقامة الدولة في المدينة ..
* * *
وننظر في هذه الآيات الثلاث فنرى امتزاج الخلق الفردي بالحاجة الجماعية ، في ظل العقيدة الدينية ، وطبيعتها التي تقتضي تحقيقها في الحياة البشرية في صورة نظام يقوم عليه من يحرسه ويتولاه.
إن الآيتين الأوليين تتضمنان العقاب من الله سبحانه والاستنكار لأن يقول الذين آمنوا ما لا يفعلون ..
وهما بهذا ترسمان الجانب الأصيل في شخصية المسلم .. الصدق .. والاستقامة. وأن يكون باطنه كظاهره ، وأن يطابق فعله قوله .. إطلاقا .. وفي حدود أبعد مدى من موضوع القتال الذي يجيء في الآية الثالثة.
وهذه السمة في شخصية المسلم يدق القرآن عليها كثيرا ، وتتابعها السنة في تكرار يزيدها توكيدا : يقول الله تعالى منددا باليهود : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ. أَفَلا تَعْقِلُونَ؟) .. ويقول تعالى منددا بالمنافقين : (وَيَقُولُونَ : طاعَةٌ. فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) .. ويقول فيهم كذلك : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ، وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) .. ويقول رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان (١)». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ولعل الحديث الذي سنذكره هنا من أدق وألطف التوجيهات النبوية الكريمة في هذا الاتجاه .. روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : أتانا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : وأنا صبي ، فذهبت لأخرج لألعب. فقالت أمي : يا عبد الله تعال أعطك. فقال لها رسول الله صلىاللهعليهوسلم ـ : «وما أردت أن تعطيه!» فقالت : تمرا. فقال : «أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة» .. ولعله استقاء من هذا النبع النبوي الطاهر الرائق امتنع الإمام أحمد بن حنبل ـ رضي الله عنه ـ من الرواية من رجل سافر إليه مسافات شاسعة ليأخذ عنه حديثا. حينما وجده يضم حجره ويدعو بغلته يوهمها بطعام وحجره فارغ! فتحرج أن يروي عنه ، وقد كذب على بغلته!
فهذا بناء أخلاقي دقيق نظيف لضمير المسلم وشخصيته التي تليق بمن يقوم أمينا على منهج الله في الأرض.
__________________
(١) رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
