إلى الإيمان ، بعد ما وجدوه في نفوسهم ، وعلموا أن قومهم لم يجدوه بعد.
وهذا هو القدر المستيقن في أمر الجن ، وهو حسبنا ، بلا زيادة عليه ليس عليها من دليل.
فأما الحادث الذي تشير إليه هذه الآيات ، كما تشير إليه سورة الجن كلها على الأرجح ، فقد وردت فيه روايات متعددة نثبت أصحها :
أخرج البخاري ـ بإسناده ـ عن مسدد ، ومسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي عوانة. وروى الإمام أحمد في مسنده قال : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة وقال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه دلائل النبوة : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، حدثنا إسماعيل القاضي ، أخبرنا مسدد ، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : «ما قرأ رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ على الجن ولا رآهم. انطلق رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم؟ فقالوا : ما لكم؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا في مشارق الأرض ومغاربها ، وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون في مشارق الأرض ومغاربها ، يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن استمعوا له ، فقالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك حين رجعوا إلى قومهم : وقالوا : يا قومنا (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) .. وأنزل الله على نبيه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : (قُلْ : أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ) .. وإنما أوحي إليه قول الجن.
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي ـ بإسناده ـ عن علقمة ، قال : قلت لابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ هل صحب النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ منكم أحد ليلة الجن؟ قال : ما صحبه أحد منا ولكنا كنا معه ذات ليلة ، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب. فقلنا : استطير ، أو اغتيل. فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا فإذا هو جاء من قبل حراء. فقلنا : يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال : «أتاني داعي الجن فذهبت معه ، فقرأت عليهم القرآن». قال : فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد فقال : «لكم كل عظم ذكر اسم الله تعالى عليه ، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما ، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم». فقال ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم» ..
وقال : ساق ابن إسحاق ـ فيما رواه ابن هشام في السيرة ـ خبر النفر من الجن بعد خبر خروج رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ، بعد موت عمه أبي طالب ، واشتداد الأذى عليه وعلى المسلمين في مكة. ورد ثقيف له ردا قبيحا ، وإغرائهم السفهاء والأطفال به ، حتى أدموا قدميه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بالحجارة. فتوجه إلى ربه بذلك الابتهال المؤثر العميق الكريم : «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى. ولا حول ولا قوة إلا بك».
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
