والغاية من خلقه ؛ ولن يمتنع عليه سبب ولا نتيجة ، ولن يعز عليه وسيلة ولا غاية ... وهو العزيز الحكيم ..
ولقد تحصن الذين كفروا من أهل الكتاب بحصونهم فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب. ولقد امتنعوا بدورهم وبيوتهم فسلطهم الله على هذه الدور والبيوت يخربونها بأيديهم ، ويمكنون المؤمنين من إخرابها :
(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) ..
وبهذا تتم حكاية ما وقع للذين كفروا من أهل الكتاب ، في تلك الصورة الموحية ، وهذه الحركة المصورة .. والله ـ سبحانه ـ يأتيهم من وراء الحصون فتسقط بفعلهم هم ؛ ثم يزيدون فيخربونها بأيديهم وأيدي المؤمنين.
هنا يجيء أول تعقيب في ظل هذه الصورة ، وعلى إيقاع هذه الحركة :
(فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) ..
وهو هتاف يجيء في مكانه وفي أوانه. والقلوب متهيئة للعظة متفتحة للاعتبار.
والآية التالية تقرر أن إرادة الله في النكاية بهم ما كانت لتعفيهم بأية حالة من نكال يصيبهم في الدنيا غير ما ينتظرهم في الآخرة :
(وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ) ..
فهو أمر مقرر أن ينالهم النكال من الله. بهذه الصورة التي وقعت أو بصورة أخرى. ولو لا أن اختار الله جلاءهم لعذبهم عذابا آخر. غير عذاب النار الذي ينتظرهم هناك. فقد استحقوا عذاب الله في صورة من صوره على كل حال!
(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ. وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) ..
والمشاقة أن يأخذوا لهم شقا غير شق الله ، وجانبا غير جانبه. وقد جعل الله جانبه هو جانب رسوله حين وصف علة استحقاقهم للعذاب في صدر الآية. فاكتفى في عجزها بمشاقة الله وحده فهي تشمل مشاقة الرسول وتتضمنها. ثم ليقف المشاقون في ناحية أمام الله ـ سبحانه ـ وهو موقف فيه تبجح قبيح ، حين يقف المخاليق في وجه الخالق يشاقونه! وموقف كذلك رعيب ، وهذه المخاليق الضئيلة الهزيلة تتعرض لغضب الله وعقابه. وهو شديد العقاب.
وهكذا تستقر في القلوب حقيقة مصائر المشاقين لله في كل أرض وفي كل وقت. من خلال مصير الذين كفروا من أهل الكتاب ، وما استحقوا به هذا العقاب.
ولا يفوتنا أن نلحظ تسمية القرآن ليهود بني النضير بأنهم (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) وتكرار هذه الصفة في السورة. فهي حقيقة لأنهم كفروا بدين الله في صورته العليا التي جاء بها محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وقد كان اليهود ينتظرونها ويتوقعونها. وذكر هذه الصفة في الوقت نفسه يحمل بيانا بسبب التنكيل بهم ؛ كما أنه يعبئ شعور المسلمين تجاههم تعبئة روحية تطمئن لها قلوبهم فيما فعلوا معهم ، وفيما حل بهم من نكال وعذاب على أيديهم. فذكر هذه الحقيقة هنا مقصود ملحوظ!
* * *
ثم يطمئن المؤمنين على صواب ما أوقعوه بهؤلاء الذين كفروا وشاقوا الله ورسوله من تقطيع نخيلهم وتحريقه ،
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
