اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟ بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ..
ومقالة النفر من الجن ـ مع خشوعهم عند سماع القرآن ـ تتضمن أسس الاعتقاد الكامل : تصديق الوحي. ووحدة العقيدة بين التوراة والقرآن. والاعتراف بالحق الذي يهدي إليه. والإيمان بالآخرة وما ينتهي إلى المغفرة وما ينتهي إلى العذاب من الأعمال. والإقرار بقوة الله وقدرته على الخلق وولايته وحده للعباد. والربط بين خلق الكون وإحياء الموتى .. وهي الأسس التي تتضمنها السورة كلها ، والقضايا التي تعالجها في سائر أشواطها .. كلها جاءت على لسان النفر من الجن. من عالم آخر غير عالم الإنسان.
ويحسن قبل أن نستعرض هذه المقالة أن نقول كلمة عن الجن وعن الحادثة ..
إن ذكر القرآن لحادث صرف نفر من الجن ليستمعوا القرآن من النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وحكاية ما قالوا وما فعلوا .. هذا وحده كاف بذاته لتقرير وجود الجن ، ولتقرير وقوع الحادث. ولتقرير أن الجن هؤلاء يستطيعون أن يستمعوا للقرآن بلفظه العربي المنطوق كما يلفظه رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ولتقرير أن الجن خلق قابلون للإيمان وللكفران ، مستعدون للهدى وللضلال .. وليس هنالك من حاجة إلى زيادة تثبيت أو توكيد لهذه الحقيقة ؛ فما يملك إنسان أن يزيد الحقيقة التي يقررها الله ـ سبحانه ـ ثبوتا.
ولكنا نحاول إيضاح هذه الحقيقة في التصور الإنساني.
إن هذا الكون من حولنا حافل بالأسرار ، حافل بالقوى والخلائق المجهولة لنا كنها وصفة وأثرا. ونحن نعيش في أحضان هذه القوى والأسرار. نعرف منها القليل ، ونجهل منها الكثير. وفي كل يوم نكشف بعض هذه الأسرار ، وندرك بعض هذه القوى ، ونتعرف إلى بعض هذه الخلائق تارة بذواتها. وتارة بصفاتها. وتارة بمجرد آثارها في الوجود من حولنا.
ونحن ما نزال في أول الطريق. طريق المعرفة لهذا الكون ، الذي نعيش نحن وآباؤنا وأجدادنا ويعيش أبناؤنا وأحفادنا ، على ذرة من ذراته الصغيرة الصغيرة .. هذا الكوكب الأرضي الذي لا يبلغ أن يكون شيئا يذكر في حجم الكون أو وزنه!
وما عرفناه اليوم ـ ونحن في أول الطريق ـ يعد بالقياس إلى معارف البشرية قبل خمسة قرون فقط عجائب أضخم من عجيبة الجن. ولو قال قائل للناس قبل خمسة قرون عن شيء من أسرار الذرة التي نتحدث عنها اليوم لظنوه مجنونا ، أو لظنوه يتحدث عما هو أشد غرابة من الجن قطعا!
ونحن نعرف ونكشف في حدود طاقتنا البشرية ، المعدة للخلافة في هذه الأرض ، ووفق مقتضيات هذه الخلافة ، وفي دائرة ما سخره الله لنا ليكشف لنا عن أسراره ، وليكون لنا ذلولا ، كيما نقوم بواجب الخلافة في الأرض .. ولا تتعدى معرفتنا وكشوفنا في طبيعتها وفي مداها ـ مهما امتد بنا الأجل ـ أي بالبشرية ـ ومهما سخر لنا من قوى الكون وكشف لنا من أسراره ـ لا تتعدى تلك الدائرة. دائرة ما نحتاجه للخلافة في هذه الأرض. وفق حكمة الله وتقديره.
وسنكشف كثيرا ، وسنعرف كثيرا ، وستتفتح لنا عجائب من أسرار هذا الكون وطاقاته ، مما قد تعتبر أسرار الذرة بالقياس إليه لعبة أطفال! ولكننا سنظل في حدود الدائرة المرسومة للبشر في المعرفة. وفي حدود قول الله ـ سبحانه ـ (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) .. قليلا بالقياس إلى ما في هذا الوجود من أسرار وغيوب لا يعلمها إلا خالقه وقيومه. وفي حدود تمثيله لعلمه غير المحدود ، ووسائل المعرفة البشرية المحدودة بقوله :
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
