والريح قوة دائبة العمل ، وفق النظام الكوني الذي قدره الله ، وهو يسلطها حين يسلطها للتدمير وهي ماضية في طريقها الكوني ، تعمل وفق الناموس المرسوم. فلا حاجة لخرق النواميس الكونية ـ كما يعترض المعترضون واهمين ـ فصاحب الناموس المرسوم هو صاحب القدر المعلوم. وكل حادث وكل حركة ، وكل اتجاه ، وكل شخص ، وكل شيء ، محسوب حسابه ، داخل في تصميم الناموس.
والريح كغيرها من القوى الكونية مسخرة بأمر ربها ، ماضية تؤدي ما قدره لها في نطاق الناموس المرسوم لها وللوجود كله. ومثلها قوة البشر المسخرة لما يريده الله بها. المسخر لها من قوى الكون ما أراد الله تسخيره لها. وحين يتحرك البشر فإنما يؤدون دورهم في هذا الوجود. ليتم ما أراده الله بهم وفق ما يريد. وحرية إرادتهم في الحركة والاختيار جزء من الناموس الكلي ينتهي إلى التناسق الكوني العام. وكل شيء مقدر تقديرا لا يناله نقص ولا اضطراب.
* * *
ويختم هذا الشوط بالعبرة الكلية لمصارع من حولهم من القرى من عاد وغير عاد :
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى ، وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً! بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ. وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ) ..
وقد أهلك الله القرى التي كذبت رسلها في الجزيرة. كعاد بالأحقاف في جنوب الجزيرة. وثمود بالحجر في شمالها. وسبأ وكانوا باليمن. ومدين وكانت في طريقهم إلى الشام. وكذلك قرى قوم لوط وكانوا يمرون بها في رحلة الصيف إلى الشمال.
ولقد نوع الله في آياته لعل المكذبين يرجعون إلى ربهم ويثوبون. ولكنهم مضوا في ضلالتهم ، فأخذهم العذاب الأليم ، ألوانا وأنواعا ، تتحدث بها الأجيال من بعدهم ، ويعرفها الخلف من ورائهم. وكان مشركو مكة يتسامعون بها ، ويرون آثارها غادين رائحين.
وهنا يلفتهم إلى الحقيقة الواقعة. فقد دمر الله على المشركين قبلهم وأهلكهم دون أن تنجيهم آلهتهم التي كانوا يتخذونها من دون الله ، زاعمين أنهم يتقربون بها إليه. سبحانه. وهي تستنزل غصبه ونقمته : (فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً).
إنهم لم ينصروهم (بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ) .. وتركوهم وحدهم لا يعرفون طريقا إليهم أصلا ، فضلا على أن يأخذوا بيدهم وينجدوهم من بأس الله.
(وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ) ..
فهو إفك. وهو افتراء. وذلك مآله. وتلك حقيقته .. الهلاك والتدمير .. فماذا ينتظر المشركون الذين يتخذون من دون الله آلهة بدعوى أنها تقربهم من الله زلفى؟ وهذه هي العاقبة وهذا هو المصير؟
(وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
