قال : إنه رأى الله فلم ير شيئا غيره في الوجود .. وكلها أقوال تشير إلى الحقيقة إذا تجاوزنا عن ظاهر الألفاظ القاصرة في هذا المجال. إلا أن ما يؤخذ عليهم ـ على وجه الإجمال ـ هو أنهم أهملوا الحياة بهذا التصور. والإسلام في توازنه المطلق يريد من القلب البشري أن يدرك هذه الحقيقة ويعيش بها ولها ، بينما هو يقوم بالخلافة في الأرض بكل مقتضيات الخلافة من احتفال وعناية وجهاد وجهد لتحقيق منهج الله في الأرض ، باعتبار هذا كله ثمرة لتصور تلك الحقيقة تصورا متزنا ، متناسقا مع فطرة الإنسان وفطرة الكون كما خلقهما الله.
* * *
وبعد إطلاق تلك الحقيقة الكبرى جعل يذكر كيف انبثقت منها حقائق الوجود الأخرى :
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها ، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها. وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ. وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ..
حقيقة خلق السماوات والأرض. وحقيقة الاستواء على العرش والهيمنة على الخلق. وحقيقة العلم بأشياء بعينها من هذا الخلق. وحقيقة الوجود مع كل أحد أينما وجد. وحقيقة رجعة الأمور إليه وحده. وحقيقة تصرفه اللطيف في كيان الوجود ، وعلمه الخفي بذات الصدور ..
وكلها حقائق منبثقة عن تلك الحقيقة الأولى .. ولكن عرضها في هذا المجال الكوني يجعل لها في القلب البشري إيقاعات وظلالا .. والسماوات والأرض تواجه هذا القلب وتروعه بضخامتها وجلالها ، وتناسقها وجمالها ، كما تواجهه وتروعه بدقة نظامها وانضباط حركاتها ، واطراد ظواهرها. ثم إنها خلائق من خلق الله كالقلب البشري. فله بها صلة الأسرة وأنس القرابة. وهي توقع على أوتاره إيقاعات لدنية حين يتوجه إليها ، ويسمع لها ، ويعاطفها! وهي تقول له : إن الذي خلقها هو خلقه. وهي تسبح لخالقها فليسبح لخالقه! كما تقول له : إنها تستمد حقيقة وجودها من وجود خالقها وأنه هو كذلك. فليس هنالك إذن إلا هذه الحقيقة تستحق الاحتفال بها! والأيام الستة لا يعلم حقيقتها إلا الله. فأيامنا هذه ليست سوى ظلال ناشئة عن حركة الأرض حول نفسها أمام الشمس. وجدت بعد خلق الأرض والشمس فليست هي الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. فنترك علمها لله يطلعنا عليه إن أراد.
وكذلك العرش. فنحن نؤمن به كما ذكره ولا نعلم حقيقته. أما الاستواء على العرش فنملك أن نقول : إنه كناية عن الهيمنة على هذا الخلق. استنادا إلى ما نعلمه من القرآن عن يقين من أن الله ـ سبحانه ـ لا تتغير عليه الأحوال. فلا يكون في حالة عدم استواء على العرش ، ثم تتبعها حالة استواء. والقول بأننا نؤمن بالاستواء ولا ندرك كيفيته لا يفسر قوله تعالى : (ثُمَّ اسْتَوى) .. والأولى أن نقول : إنه كناية عن الهيمنة كما ذكرنا. والتأويل هنا لا يخرج على المنهج الذي أشرنا إليه آنفا لأنه لا ينبع من مقررات وتصورات من عند أنفسنا. إنما يستند إلى مقررات القرآن ذاته ، وإلى التصور الذي يوحيه عن ذات الله سبحانه وصفاته.
ومع الخلق والهيمنة العلم الشامل اللطيف ، يصور النص القرآني مجاله تصويرا عجيبا يشغل القلب بتتبعه في هذا المجال الوسيع ، وبتصوره في حركة دائمة لا تفتر. وهذا أمر غير مجرد ذكر العلم وحقيقته المجردة. أمر مؤثر موح يملأ جوانب النفس ، ويشغل خوالج القلب ، وتترامى به سبحات التصور ووثبات الخيال :
(يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها ، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها) ..
وفي كل لحظة يلج في الأرض ما لا عداد له ولا حصر من شتى أنواع الأحياء والأشياء ؛ ويخرج منها ما لا
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
