وتتبع الأجهزة المختلفة في تكوين الإنسان ، ووظائفها ، وطريقة عملها ، ودور كل منها في المحافظة على حياته وصحته .. يكشف عن العجب العجاب في دقة التقدير وكمال التدبير. ويرينا يد الله وهي تدبر أمر كل. فرد. بل كل عضو. بل كل خلية من خلاياه. وعين الله عليه تكلؤه وترعاه. ولن نستطيع هنا أن نفصل هذه العجائب فنكتفي بإشارة سريعة إلى التقدير الدقيق في جهاز واحد من هذه الأجهزة. جهاز الغدد الصم «تلك المعامل الكيماواة الصغيرة التي تمد الجسم بالتركيبات الكيماواة الضرورية ، والتي يبلغ من قوتها أن جزا من ألف بليون جزء منها تحدث آثارا خطيرة في جسم الإنسان. وهي مرتبة بحيث أن إفراز كل غدة يكمل إفراز الغدة الأخرى. وكل ما كان يعرف عن هذه الإفرازات أنها معقدة التركيب تعقيدا مدهشا ، وأن أي اختلال في إفرازها يسبب تلفا عاما في الجسم ، يبلغ حد الخطورة. إذا دام هذا الاختلال وقتا قصيرا» (١).
أما الحيوان فتختلف أجهزته باختلاف أنواعه وبيئاته وملابسات حياته ..
«زودت أفواه الآساد والنمور والذئاب والضباع ، وكل الحيوانات الكاسرة التي تعيش في الفلاة ، ولا غذاء لها إلا ما تفترسه من كائنات لا بد من مهاجمتها ، والتغلب عليها ، بأنياب قاطعة ، وأسنان حادة ، وأضراس صلبة. ولما كانت في هجومها لا بد أن تستعمل عضلاتها ، فلأرجلها عضلات قوية ، سلحت بأظافر ومخالب حادة ، وحوت معدتها الأحماض والأنزيمات الهاضمة للحوم والعظام» (٢).
فأما الحيوانات المجترة المستأنسة التي تعيش على المراعي ، فهي تختلف فيما زودت به ..
«وقد صممت أجهزتها الهاضمة بما يتناسب مع البيئة ، فأفواهها واسعة نسبيا ؛ وقد تجردت من الأنياب القوية والأضراس الصلبة. وبدلا منها توجد الأسنان التي تتميز بأنها قاصمة قاطعة ؛ فهي تأكل الحشائش والنباتات بسرعة ، وتبتلعها كذلك دفعة واحدة ، حتى يمكنها أن تؤدي للإنسان ما خلقت لأجله من خدمات. وقد أوجدت العناية الخالقة لهذا الصنف أعجب أجهزة للهضم ، فالطعام الذي تأكله ينزل إلى الكرش ، وهو مخزن له ، فإذا ما انتهى عمل الحيوان اليومي وجلس للراحة ، يذهب الطعام إلى تجويف يسمى «القلنسوة». ثم يرجع إلى الفم ، فيمضغ ثانية مضغا جيدا ، حيث يذهب إلى تجويف ثالث يسمى «أم التلافيف» ، ثم إلى رابع يسمى «الإنفحة» وكل هذه العملية الطويلة أعدت لحماية الحيوان ، إذ كثيرا ما يكون هدفا لهجوم حيوانات كاسرة في المراعي ، فوجب عليه أن يحصل على غذائه بسرعة ويختفي. ويقول العلم إن عملية الاجترار ضرورية بل وحيوية ، إذ أن العشب من النباتات العسرة الهضم ، لما يحتويه من السليلوز الذي يغلف جميع الخلايا النباتية ، ولهضمه يحتاج الحيوان إلى وقت طويل جدا ، فلو لم يكن مجترا ، وبمعدته مخزن خاص ، لضاع وقت طويل في الرعي ، يكاد يكون يوما بأكمله ، دون أن يحصل الحيوان على كفايته من الغذاء ، ولأجهد العضلات في عمليات التناول والمضغ. إنما سرعة الأكل ، ثم تخزينه وإعادته بعد أن يصيب شيئا من التخمر ، ليبدأ المضغ والطحن والبلع ، تحقق كافة أغراض الحيوان من عمل وغذاء وحسن هضم. فسبحان المدبر» (٣).
«والطيور الجارحة كالبوم والحدأة ذات منقار مقوس حاد على شكل خطاف لتمزيق اللحوم. بينما للإوز والبط مناقير عريضة منبسطة مفلطحة كالمغرفة ، توائم البحث عن الغذاء في الطين والماء. وعلى جانب المنقار
__________________
(١) المصدر السابق ص ٥١ ـ ٥٢.
(٢) المصدر السابق ص ٧١ ـ ٧٢.
(٣) المصدر السابق ص ٧٢ ـ ٧٣.
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
