ثم يبلغ البحث والرؤية والتجربة من إدراك هذه الحقيقة القدر الذي تهيئه هذه الوسائل ، ويطيقه العقل البشري ، ويملك معرفته عن هذا الطريق. ووراء هذا القدر يبقى دائما ما هو أعظم وأكمل ، تدركه الفطرة وينطبع فيها بتأثير الإيقاع الكوني المتناسق فيها ، وهي ذاتها بعض هذا الكون المتناسق المخلوق كل شيء فيه بقدر.
ولقد وصل العلم الحديث إلى أطراف من هذه الحقيقة ، فيما يملك أن يدركه منها بوسائله المهيأة له .. وصل في إدراك التناسق بين أبعاد النجوم والكواكب وأحجامها وكتلها وجاذبيتها بعضها لبعض إلى حد أن يحدد العلماء مواقع كواكب لم يروها بعد ؛ لأن التناسق يقتضي وجودها في المواضع التي حدودها. فوجودها في هذه المواقع هو الذي يفسر ظواهر معينة في حركة الكواكب التي رصدوها .. ثم يتحقق هذا الذي فرضوه. ويدل تحقيقه على الدقة المتناهية في توزيع هذه الأجرام ، في هذا الفضاء الهائل ، بهذه النسب المقدرة ، التي لا يتناولها خلل أو اضطراب!
ووصل في إدراك التناسق في وضع هذه الأرض التي نعيش عليها ، لتكون صالحة لنوع الحياة التي قدر الله أن تكون فيها إلى حد أن افتراض أي اختلال في أية نسبة من نسبها يودي بهذه الحياة كلها ، أو لا يسمح أصلا بقيامها. فحجم هذه الأرض ، وكتلتها ، وبعدها عن الشمس. وكتلة هذه الشمس ، ودرجة حرارتها. وميل الأرض على محورها بهذا القدر ، وسرعتها في دورتها حول نفسها وحول الشمس. وبعد القمر عن الأرض. وحجمه وكتلته. وتوزيع الماء واليابس في هذه الأرض ... إلى آلاف من هذه النسب المقدرة تقديرا ، لو وقع الاختلال في أي منها لتبدل كل شيء ؛ ولكانت هي النهاية المقدرة لعمر هذه الحياة على هذه الأرض!
ووصل في إدراك التناسق بين عدد كبير من الضوابط التي تضبط الحياة ؛ وتنسق بين الأحياء والظروف المحيطة بها ؛ وبين بعضها وبعض .. إلى حد يعيطي فكرة عن تلك الحقيقة العميقة الكبيرة التي تشير إليها الآية. فالنسبة بين عوامل الحياة والبقاء وعوامل الموت والفناء في البيئة وفي طبيعة الأحياء محفوظة دائما بالقدر الذي يسمح بنشأة الحياة وبقائها وامتدادها. وفي الوقت ذاته يحد من انتشارها إلى الحد الذي لا تكفي الظروف المهيأة للأحياء ، في وقت ما ، لإعالتهم وإعاشتهم!
ولعله من المفيد أن نشير إشارة سريعة إلى شيء من هذا التوازن في علاقات بعض الأحياء ببعض. إذ كنا قد أشرنا بشيء من التفصيل في سور أخرى إلى التناسق في بناء الكون ، وفي ظروف الأرض (١) ..
«إن الجوارح التي تتغذى بصغار الطيور قليلة العدد ، لأنها قليلة البيض ، قليلة التفريخ ، فضلا على أنها لا تعيش إلا في مواطن خاصة محدودة. وهي في مقابل هذا طويلة الأعمار. ولو كانت مع عمرها الطويل ، كثيرة الفراخ مستطيعة الحياة في كل موطن ، لقضت على صغار الطيور وأفنتها على كثرتها وكثرة تفريخها. أو قللت من أعدادها الكبيرة اللازمة بدورها لطعام هذه الجوارح وسواها من بني الإنسان ، وللقيام بأدوارها الأخرى ، ووظائفها الكثيرة في هذه الأرض!
|
بغاث الطير أكثرها فراخا |
|
وأم الصقر مقلات نزور |
وذلك للحكمة التي قدرها الله كما رأينا ، كي تتعادل عوامل البقاء وعوامل الفناء بين الجوارح والبغاث!
__________________
(١) يراجع تفسير سورة الفرقان.
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
