(فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا).
وإنها لصيحة مزلزلة مذهلة في هذا السياق ، وفي هذه الظلال ، وبعد هذا التمهيد الطويل ، الذي ترتعش له القلوب :
ومن ثم سجدوا. سجدوا وهم مشركون. وهم يمارون في الوحي والقرآن. وهم يجادلون في الله والرسول! سجدوا تحت هذه المطارق الهائلة التي وقعت على قلوبهم والرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يتلو هذه السورة عليهم. وفيهم المسلمون والمشركون. ويسجد فيسجد الجميع. مسلمين ومشركين. لا يملكون أن يقاوموا وقع هذا القرآن ؛ ولا أن يتماسكوا لهذا السلطان .. ثم أفاقوا بعد فترة فإذا هم في ذهول من سجودهم كذهولهم وهم يسجدون!
بهذا تواترت الروايات. ثم افترقت في تعليل هذا الحادث الغريب. وما هو في الحقيقة بالغريب. فهو تأثير هذا القرآن العجيب ووقعه الهائل في القلوب!
* * *
هذا الحادث الذي تواترت به الروايات. حادث سجود المشركين مع المسلمين. كان يحتاج عندي إلى تعليل. قبل أن تقع لي تجربة شعورية خاصة عللته في نفسي ، وأوضحت لي سببه الأصيل.
وكنت قد قرأت تلك الروايات المفتراة عما سمي بحديث الغرانيق ، الذي أورده ابن سعد في طبقاته ، وابن جرير الطبري في تاريخه. وبعض المفسرين عند تفسيرهم لقوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ، فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ... إلخ» .. وهي الروايات التي قال فيها ابن كثير ـ جزاه الله خيرا ـ «ولكنها من طرق كلها مرسلة. ولم أرها مسندة من وجه صحيح».
وأكثر هذه الروايات تفصيلا وأقلها إغراقا في الخرافة والافتراء على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ رواية ابن أبي حاتم. قال : حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي ، حدثنا محمد بن إسحاق الليثي ، حدثنا محمد ابن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب. قال : أنزلت سورة النجم ، وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ؛ ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم ، وأحزنه ضلالهم ؛ فكان يتمنى هداهم. فلما أنزل الله سورة النجم قال : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ، وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى؟) ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت فقال : وإنهن لهن الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى .. وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته .. فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة. وزلت بها ألسنتهم. وتباشروا بها. وقالوا : إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه .. فلما بلغ رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ آخر النجم سجد ، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك. غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا فرفع ملء كفه ترابا فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين. ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين .. فاطمأنت أنفسهم ـ أي المشركون ـ لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قد قرأها في السورة ، فسجدوا لتعظيم آلهتهم. ففشت تلك الكلمة في الناس
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
