وأنه أهلك عادا الأولى. وثمود فما أبقى. وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى. والمؤتفكة أهوى. فغشاها ما غشى. فبأي آلاء ربك تتمارى؟
«هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة. ليس لها من دون الله كاشفة. أفمن هذا الحديث تعجبون ، وتضحكون ولا تبكون ، وأنتم سامدون؟
(فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) ..
وذلك (الَّذِي تَوَلَّى ، وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى) .. الذي يعجّب الله من أمره الغريب ، تذكر بعض الروايات أنه فرد معين مقصود ، أنفق قليلا في سبيل الله ، ثم انقطع عن البذل خوفا من الفقر. ويحدد الزمخشري في تفسيره «الكشاف» شخصه ، أنه عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ويذكر في ذلك قصة ، لا يستند فيها إلى شيء ، ولا يقبلها من يعرف عثمان ـ رضي الله عنه ـ وطبيعته وبذله الكثير الطويل في سبيل الله بلا توقف وبلا حساب كذلك ؛ وعقيدته في الله وتصوره لتبعة العمل وفرديته (١).
وقد يكون المقصود شخصا بذاته. وقد يكون نموذجا من الناس سواء. فالذي يتولى عن هذا النهج ، ويبذل من ماله أو من نفسه لهذه العقيدة ثم يكدي ـ أي يضعف عن المواصلة ويكف ـ أمره عجيب ، يستحق التعجيب ويتخذ القرآن من حاله مناسبة لعرض حقائق العقيدة وتوضيحها.
(أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى؟) ..
والغيب لله. لا يراه أحد سواه. فلا يأمن الإنسان ما خبئ فيه ؛ وعليه أن يواصل عمله وبذله ، وأن يعيش حذرا موفيا طوال حياته ؛ وألا يبذل ثم ينقطع ، ولا ضمان له في الغيب المجهول إلا حذره وعمله ووفاؤه ، ورجاؤه بهذا كله في مغفرة الله وقبوله.
(أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ، وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ...) ..
وهذا الدين قديم ، موصولة أوائله وأواخره ، ثابتة أصوله وقواعده ، يصدّق بعضه بعضا على توالي الرسالات والرسل ، وتباعد المكان والزمان. فهو في صحف موسى. وهو في ملة إبراهيم قبل موسى. إبراهيم الذي وفّى. وفّى بكل شيء. وفّى وفاء مطلقا استحق به هذا الوصف المطلق. ويذكر الوفاء هنا في مقابل الإكداء والانقطاع ، ويذكر بهذه الصيغة (وفّى) بالتشديد تنسيقا للإيقاع المنغم وللقافية المطردة.
فماذا في صحف موسى ، وإبراهيم الذي وفّى؟ فيها :
(أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) ..
فلا تحمل نفس حمل أخرى ؛ لا تخفيفا عن نفس ولا تثقيلا على أخرى. فلا تملك نفس أن تتخفف من حملها ووزرها. ولا تملك نفس أن تتطوع فتحمل عن نفس شيئا!
(وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) ..
__________________
(١) قال : «روي أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ كان يعطي ما له في الخير. فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح ـ وهو أخوه من الرضاعة ـ يوشك أن لا يبقى لك شيء. فقال عثمان : إن لي ذنوبا وخطايا. وإني أطلب بما أصنع رضى الله تعالى ، وأرجو عفوه. فقال عبد الله : أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها! فأعطاه وأشهد عليه ، وأمسك عن العطاء. فنزلت!» ... وهي رواية ظاهرة البطلان فما هكذا يتصور عثمان!
![في ظلال القرآن [ ج ٦ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3889_fi-zilal-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
